تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
وما أُحِبُّ أن لي بها مشهدَ بدرٍ ، وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها ، وكان من خبري حين تخلَّفتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك : أنِّي لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوة والله ما جمعتُ راحلتين حتى جمعتُهما في تلك الغزوة ، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدُ غزوةً إلاَّ ورَّى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرٍّ شديد ، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً ، واستقبل عدوَّاً كثيراً ، فجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غزوِهم ، فأخبرهم بوجههمُ الذي يريدُ ، والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرٌ ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ - يريد بذلك الديوان - فقلَّ رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلاَّ ظنَّ أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله تعالى ، وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثِّمار والظِّلالُ ، فأنا إليها أصعَرُ ، فتجهَّزَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه ، فطفِقْتُ أغدو لكي أتجهَّزَ معه ، فأرجِعُ ولم أقضِ شيئاً ، وأقول في نفسي : أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ ، فلم يزَلْ ذلك يتمادى بي حتَّى استمرَّ بالناس الجدُّ ، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غادياً والمسلمون معه ، ولم أقضِ من جَهازي شيئاً ، ثم غدوت ، فرجعتُ ولم أقضِ شيئاً ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغَزوُ ، فهممتُ أن أرتحلَ فأدركَهم ، فيا ليتني فعلت ، ثم لم يُقدَّرْ ذلك لي ، فطفِقْتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَحزُنُني أنِّي لا أرى لي أُسوةً إلاَّ رجلاً مغموصاً عليه في النِّفاق ، أو رجلاً مِمَّن عذَرَ الله تعالى من الضُّعفاء ، ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك : " ما فعل كعبُ بنُ مالكٍ ؟ " . فقال رجلٌ من بني سَلِمَةَ : يا رسول الله ، حبسه بُرداه ، والنَّظر في عِطْفَيْهِ ، فقال له معاذُ بنُ جبلٍ رضي الله عنه : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ، ما علمنا عليه إلا خيراً ، فسكتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فبينما هو على ذلك ، رأى رجلاً مُبيِّضاً يزول به السَّرابُ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كُنْ أبا خيثمة " ، فإذا هو أبو خيثمةَ الأنصاريُّ ، وهو الذي تصدَّق بصاع التمر حين لمزه المنافقون . قال كعبٌ : فلمَّا بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجَّه قافلاً من تبوك ، حضرني