تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
بثِّي ، فطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكَذِبَ ، وأقول : بم أخرُجُ من سَخَطِه غداً ؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ مِنْ أهلي ، فلما قيل : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظَلَّ قادماً ، زاح عنِّي الباطل ، حتى عرفتُ أنِّي لن أنجوَ منه بشيءٍ أبداً ، فأجمعتُ صدقَهُ ، وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً ، وكان إذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك ، جاءه المخلَّفُون يعتذِرُون إليه ، ويحلِفُونَ له ، وكانوا بضعاً وثمانين رجُلاً ، فقَبِلَ منهم علانيَّتهم ، وبايعهم ، واستغفرَ لهم الله ، ووكَلَ سرائِرَهم إلى الله تعالى ، حتى جئتُ ، فلمَّا سلَّمتُ تبسَّم تبسُّمَ المغضَبِ ، ثم قال : " تعالَ " ، فجئتُ أمشي حتى سلَّمتُ عليه ، وجلستُ بينَ يديه ، فقال لي : " ما خلَّفَكَ ؟ ألم تكن قدِ ابتَعْتَ ظهرَكَ ؟ " قال : قلت : يا رسول الله ، إنِّي - والله - لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيتُ أني سأخرُج من سَخَطِه بعُذْرٍ ، ولقد أعطيتُ جَدَلاً ، ولكنِّي [ والله ] لقد علمتُ ، لَئِنْ حدَّثتُك اليوم حديثَ كَذِبٍ ترضى به عنِّي ، ليوشِكَنَّ الله أن يُسخِطَكَ عليَّ ، وإن حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجِدُ عليَّ فيه ، إنِّي لأرجو فيه عُقبَى الله عز وجل ، والله ما كان لي من عُذْرٍ ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مِنِّي حين تخلَّفتُ عنك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما هذا ، فقد صدق فقُم حتى يقضِيَ اللهُ فيكَ " ، وثار رِجالٌ من بني سَلِمَة ، فاتَّبعوني ، فقالوا لي : والله علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا ، لقد عَجَزْتَ في ألاَّ تكونَ اعتذرتَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعتذرَ إليه المخَلَّفُون ، فقد كان كافِيَك ذنبَك استغفارُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكَ قال : فوالله ما زالوا يُؤنِّبُونَني حتَّى أردتُ أن أرجِعَ فأُكَذِّبَ نفسي ، ثم قلت : لهم : هل لَقِيَ هذا معي من أحدٍ ؟ قالوا : نعم . [ لقِيَه ] معك رجُلانِ ، قالا مثلَ ما قلت ، وقيل لهما مثلُ ما قيل لك . قلت : من هما ، قالوا : مرارةُ بن ربيعة العامري ( 1 ) وهلالُ بنُ أميَّةَ
هامش
( 1 ) قال الإمام النووي في " شرح مسلم " 17 / 92 : هكذا هو في جميع نسخ مسلم : " العامري " ، وأنكره العلماء ، وقالوا : هو غلط ، إنما صوابه : " العمري " بفتح العين ، وإسكان الميم ، من بني عمرو بن عوف ، وكذا ذكره البخاري ، وكذا نسبه محمد بن إسحاق ، وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة . قال القاضي : هو الصواب ، وإن كان القابسي قد قال : لا أعرفه إلا العامري .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 399 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )