تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
الواقفيُّ ، قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً ( 1 ) فيهما أسوةٌ . قال : فمضيتُ حتى ذكروهما لي . ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامِنا أيُّها الثلاثةُ من بين من تخلَّف عنه ، قال : فاجتَنَبَنا الناسُ ، أو قال : تغيَّرُوا لنا ، حتَّى تنكَّرت لي في نفسيَ الأرضُ ، فما هي بالأرضِ التي أعرِفُ ، فلبِثْنَا على ذلك خمسين ليلةً ، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بُيوتِهما يبكيان ، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلَدهم ، فكنتُ أخرج أشهدُ الصلاةَ ، وأطوفُ في الأسواق ، ولا يكلِّمُني أحدٌ ، وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه ، وأقول في نفسي : هل حرَّكَ شَفتَيه بردِّ السلام أم لا ؟ ثم أُصلِّي قريباً منه ، وأسارقُه النَّظرَ ، فإذا أقبلتُ على
هامش
( 1 ) قال ابن القيم في " زاد المعاد " 3 / 577 : هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري ، فإنه لا يُحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير البتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر ، لا ابن إسحاق ، ولا موسى بن عقبة ، ولا الأموي ، ولا الواقدي ، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر ، وكذلك ينبغي ألاَّ يكونا من أهل بدر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَهجُرْ حاطباً ، ولا عاقبه وقد جسَّ عليه ، وقال لعمر لما هم بقتله : " ما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدرٍ فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم " ، وأين ذنبُ التخلف من ذنب الجسِّ . قال أبو الفرج ابن الجوزي : ولم أزل حريصاً على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيتُ أبا بكر بن الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه ، وأنه لا يكاد يُحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع ، فإنه قال : إن مرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية شهدا بدراً ، وهذا لم يقله أحد غيره ، والغلط لا يعصم منه إنسان . وقال الحافظ في " الفتح " 8 / 120 تعليقاً على قوله " قد شهدا بدراً " : هكذا وقع هنا ، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك ، وهو مقتضى صنيع البخاري . . . ثم نقل قول ابن القيم - ولكنه لم يصرح باسمه - " وكذلك ينبغي . . . إلى قوله : من ذنب الجس " فقال : وليس ما استدل به بواضح ، لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كَبُرَتْ لا يُعاقَبُ عليها ، وليس كذلك ، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب ، فقد جلد قدامةَ بنَ مظعون الحدَّ لما شرب الخمر ، وهو بدري ، وإنما لم يُعاقب النبي - صلى الله عليه وسلم - حاطباً ولا هجره ، لأنه قَبِلَ عذره في أنه إنما كاتب قريشاً خشيةً على أهله وولده ، وأراد أن يتخذ له عندهم يداً ، فعذره بذلك ، بخلاف تخلُّف كعب وصاحبيه ، فإنهم لم يكن لهم عذرٌ أصلاً .