تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
الصَّابر ، فلا إطلاقَ فيها ، بل يكون بعض الأغنياء أفضل من بعض الفقراء ، لتعاظُمِ صدقاته وخيراته ، كما جاء في حديث : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ " لمَّا شكى الفقراء أن الأغنياء عملوا مثل عملهم ، وزادوا عليهم بالصدقات والعِتْقِ ونحو ذلك . وهو حديث صحيح ( 1 ) ، ولكن الغنى الذي يعمل ذلك قليلٌ ، وقد يكون بعض الفقراءِ أفضل ، وهو الأكثر ، لِمَا ورد من الأحاديث ، فإنها خرحت مخرج الأكثر لمَّا كان المال حين يحصل ( 2 ) محبوباً : { وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ } [ النساء : 128 ] ، كما قال تعالى ، ولذلك استعاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فتنة الفقر ، وفتنة الغنى ، ولأن الحلال قليلٌ ولعلَّ المكثرين غيرُ محلِّين . وفي " البخاري " ( 3 ) ، عن خولة الأنصارية ، عنه - صلى الله عليه وسلم - : " إن رجالاً يتخوَّضُونَ في مال الله بغير حقٍّ ، فلهم النار يوم القيامة " . وقد تقدم الكلام على هذا في أول الكتاب . وقد تكلم القرطبي على ذلك في " تذكرته " ( 4 ) وأجاد ، ويشهد لما ذكرتُه من التفضيل حديث أبي ذرٍّ المشهور في ذلك ، خرَّجه البخاري ومسلمٌ من حديث عبد العزيز بن رُفَيعٍ ، عن زيد بن وهبٍ ، عن أبي ذرٍّ ، قال : خرجتُ ليلةً من الليالي ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي وحده ، فظننتُ أنه يكرهُ أن يمشي معه أحدٌ ، فجعلتُ أمشي في ظلِّ القمر ، فالتفتَ ، فرآني ، فقال : " من هذا ؟ " ، قلت : أبو ذرٍّ - جعلني الله فداك - قال : " يا أبا ذرّ تعاله " . فمشيت معه ساعةً ، فقال : " إن المُكثِرِيَن هم المقلُّون يوم القيامة إلاَّ من أعطاهُ الله خيراً ، فنفخ فيه يمينه ، وشماله ، وبين يديه ، ووراءه ، وعمل فيه خيراً " . الحديث ( 5 ) .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه 8 / 192 . ( 2 ) " حين يحصل " ساقطة من ( ش ) . ( 3 ) برقم ( 3118 ) ، وأخرجه بنحوه الترمذي ( 2375 ) . ( 4 ) ص 469 - 473 . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 6443 ) ، ومسلم ( 94 ) ، وانظر تمام تخريجه عند ابن حبان ( 170 ) و ( 195 ) .