تقدم ( 1 ) ، ودل على أن المفهوم في نحو ذلك ليس بحجةٍ بخلاف الحلال والحرام الذي لا كتم فيه بالاتفاق ، وهذه فائدة مهمةٌ ولله الحمد والمِنَّةُ .
فإذا ثبت ذلك نزلنا الآيتين منزلة الآية الواحدة ، فكأنه عقيب آية الاجتناب قال ( 2 ) : وإن لم تجتنبوا فإن الله لا يغفر أن يُشْرَكَ به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وفي هذا مخالفةٌ ظاهرة لحكم المجتنبين ، لأن مخالفيهم ما بين مشرك لا يُغفر له ، وصاحب كبيرة موقوفٍ تحت المشيئة يرجو المغفرة ، ويخاف العقوبة ، وقد خصَّ الله تعالى المجتنبين بالقطع لهم بتكفير سيئاتهم بحسناتهم ، والوعد الصادق بالمدخل الكريم ، وهذا ظاهر القرآن ، ومقتضى الجمع بين الآيات على الإنصاف بالنظر الصحيح ، كيف وقد تواترت الأخبارُ الصحيحة بذلك بنقل الصحابة والتابعين وخيار المسلمين خَلَفِهم عن سلفهم ، وإن جَهِلَ ذلك ، أو جَحَدَه من عادى السُّنن وأهلها كالخوارج ومن شابههم وما ضَرُّوا - ولله الحمد - إلاَّ أنفُسَهم ، ولكن لا بد من إيراد بعض ( 3 ) ما يتمسك به المخالف ليتضح الحقُّ من الباطل ، فمما تمسكوا به أن هذه الآية مجملةٌ لقوله : { لمن يشاء } .
والجواب : أن المغفرة تُعدَّى إلى مفعولين مغفورٍ ، ومغفور له ، والله تعالى لم يُجمِلِ الذنب المغفور ، بل جعله ما دون الشرك ، وإنما أجمل صاحب الذنب المغفور له لوجهين :
أحدهما : أنه سبحانه صادق الوعد فلو لم يُقَيِّدْ ذلك بالمشيئة لزم أن يدخل فيه ما دون الشرك من ذنوب المشركين .
وثانيهما : أنه سبحانه لطيفُ الحكمة ، ولم يكن لِيُؤَمِّنَ أهلَ الكبائر لما في
هامش
( 1 ) ص 138 .
( 2 ) زيادة من هامش ( ش ) ، وكتب فوقها : ظ ، أي : الظاهر .
( 3 ) ساقطة من ( ش ) .