لم تُحْبَطْ بالمرَّة ، وشيءٍ قليلٍ من عقابه ، وهو الذي سمَّاه الله تعالى في كتابه بالعذاب الأدنى حيث قال سبحانه : { ولَنُذِيقَنَّهُم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } عكس هذا قوله تعالى فيمن لَطَفَ به : { كذلك يُتِمُّ نعمته عليكم لعلكم تسلمون } [ النحل : 81 ] فلله الحكمة البالغة وهو أعلم بما يُصْلِحُ عباده ، وبما يستحقونه من العقوبات ، أو الملاطفات ، أو المسامحات ، ولا قاطع بأيدي الخصوم يرفع هذه النصوص في تكفير ذنوب بعض المؤمنين في الدنيا كما جاء في تفسير قوله تعالى : { أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيم } [ النحل : 47 ] .
الوجه الثالث من الجواب : وهو التحقيق أنه لا معارضة بين الآيتين بل قوله تعالى : { إن تجتنبوا } [ النساء : 31 ] ، بيان حكم المجتنبين ، وليس فيه ذكرٌ لحكم مرتكبي الكبائر .
وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } [ النساء : 48 ] بيان حكم مرتكبي الكبائر الذي لم يُبين في الآية الأولى إلاَّ من طريق مفهوم المخالفة ، فإن المفهوم منها أن حكم المرتكبين يخالف حكم المجتنبين على سبيل الإجمال ، وليس من شرط المخالفة أن يستوي جميع أهل الكبائر في الأحكام ، فإن أحكامهم مختلفة بالإجماع في الدنيا والآخرة ، وليس حكم الشرك وأهله حكم المرتكبين لشيءٍ مما دونه من الكبائر وأهلها عند أحدٍ إلاَّ الخوارج الموارق ، وقد قال الخليل عليه السلام : { فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ إبراهيم : 36 ] ، فلم يلزم في من عصاه أن يكون مقطوعاً له بنقيض ذلك ، بل اكتفى في مخالفته لمن يتبعُه ( 1 ) بأنه في حكم المشيئة ، ومتبعه مقطوعٌ له بالنجاة ، ومدارُ حجتهم على صحة مفهوم المخالفة ، وصحته ظنيةٌ ، وكيف يبنون على الظن مسألة قطعية .
هامش
( 1 ) في الأصول : " لمن اتبعه " .