وقد ثبت أن الدنيا دار بعض الجزاء ، أما للمؤمنين ، فعلى ذنوبهم ، كما ورد في الأحاديث الصحاح ، وستأتي ، ويشهد لها من كتاب الله قوله تعالى : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير } [ آل عمران : 165 ] ، وقوله تعالى : { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون } [ الروم : 36 ] ، وكذا قد تقدم لهم شيءٌ من ثوابهم لقوله تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون } [ النحل : 97 ] .
وفي هذا آياتٌ كثيرةٌ قد ذكرتُها في غير هذا الموضع ، وأما الكفار فهم على العكس من حال المؤمنين ، لا يُجْزَوْنَ في الآخرة بشيءٍ من حسناتهم ، بل جزاؤهم عليها تقدم في حياتهم الدنيا إن كان لهم عليها أجرٌ ، وقد ورد بذلك خبرٌ مرفوعٌ رواه مسلم في التوبة ، عن أبي بكر ، وزهير ، وأحمد في " المسند " ثلاثتهم ، عن يزيد بن هارون ، عن همام بن يحيى ، [ عن قتادة ] ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولفظه : " إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً يُعْطَى عليها في الدنيا ، ويُثابُ عليها في الآخرة ، وأما الكافر فيُطعَمُ بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يُعطى بها خيراً " ( 1 ) تفرد به مسلم وإسناده على شرط الجماعة كلهم .
وقد قال الله تعالى في هذا المعنى : { فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ فصلت : 27 ] ، لأن سيئات المؤمنين مُكَفَّرةٌ فلم يُجْزَوا إلاَّ بأحسنَ ، وحسنات الكافرين مُحْبَطَة فلم يجزوا إلاَّ بالأسوأ ، ومثل ذلك قوله تعالى فيهم : { وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } [ الزمر : 48 ] ، فثبت أن الدنيا دارٌ لبعض الجزاء ، أما المؤمن فبسيئاته إن لم تُغفر ، وشيءٍ قليلٍ من ثواب حسناته ، وأما الكافر فبحسناته إن
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 3 / 123 و 283 ، ومسلم ( 2808 ) ، والطيالسي ( 2011 ) ، وابن حبان ( 377 ) ، والبغوي ( 4118 ) .