تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وأما ما ذُكر من خوف المفسدة الكبرى بترك الناس العمل ، فقد اختلفت فيه الأحاديث ، وانعقد الإجماع بعدُ على خلافه ، فكيف يكتم أو ينكتِمُ ما يشهد به القرآن . والصحيح أن كل أحدٍ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له ( 1 ) ، فلا يَضُرُّ ، ولذلك قال عيسى عليه السلام : { والسلامُ عليَّ يَومَ وُلِدْتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعَثُ حَيَّاً } [ مريم : 33 ] ، وكذلك قال الله في يحيى بن زكريا وأمثالهما من أهل العصمة ، ولذلك كان الرواة لأحاديث الرجاء والشفاعة كبراء الصحابة ، كأبي ذَرٍّ رضي الله عنه ، وأبي الدرداء ، وجابر وأمثالهم ، فلم يَحْمِلْ ذلك أحداً منهم على الوقوع في كبيرةٍ ، بل كانوا أعلام الهُدى ، وإليهم المنتهى في التقوى ، وكذلك من رواها عنهم من التابعين ، فقد روى الصادق ، عن أبيه الباقر ، عن جابر بن عبد الله ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " رواه الحاكم في " المستدرك " ( 2 ) مع تشيُّعِه ، وقد اشتدَّ خوف الثلاثة المخلفين ( 3 ) مع عظيم فضلهم وصِحَّةِ بُشراهم ، فإنَّ اثنين منهم من أهلِ بَدْرٍ ، وثالثهم كعب بن مالك من السابقين الأولين ( 4 ) أهل بيعه العقبة مع صحة التوبة منهم ( 5 ) ، ولم يكن أهل الإيمان يزدادون بمثل ذلك إلاَّ رغبةً ، ولذلك قالت المعتزلة والصوفية : من عَمِلَ لأجلِ الخوف فقط ، لم تَصِح عبادته ، ولم تُقبل ، ومن كان لا يُبالي بغضب الله تعالى ونواهيه ما لم يَخَفِ العقوبة ، فهو ناقصُ الإيمان أو مسلوبُه ( 6 ) ، ولما روى عمر حديث القَدَرِ ، قال : الآن نجتهد ( 7 ) ولو كانت البُشرى مفسدةً ، ما كان القنوط مفسدةً ، وهو حرامٌ وِفاقاً ، وإنَّما المفسدة الأمان . وأين هو ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -
هامش
( 1 ) تقدم تخريج الأحاديث التي وردت بهذا المعنى . ( 2 ) 1 / 69 من طريقين عن الصادق جعفر بن محمد ، به . ( 3 ) في ( ش ) : " المتخلفين " . ( 4 ) في ( د ) و ( ف ) : " الأول " . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 4418 ) ، ومسلم ( 2769 ) . وسيأتي بطوله . ( 6 ) في ( ش ) : " ومسلوبه " . ( 7 ) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " ( 165 ) ، وابن حبان ( 108 ) ، والآجري ص 170 ، والبزار ( 2137 ) . وقد تقدم .