وحديث هشام عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة أشدُّ إعلالاً ؛ لأن الرواة عن أبي هريرة كثرةٌ عظيمة ، يَزيدون على ثمانِ مئة ، ثم عن محمد بن سيرين ، فتفرُّدُ محمد بن سيرين بمثلِ هذا عن أبي هريرة ، ثم تفرُّد هشامٍ عن محمد غريبٌ جداً ؛ لأن مغفرة الذنوب بذلك مستغربة مستنكرة في طباع المشددين ، ولذلك أنكرها المبتدعة بآرائهم ، بل أوجب تأويلها كثيرٌ من كبراء أهل السنة بمجرد الطبيعة مع موافقتها لأُصولهم ، مثل ابن عبد البر وغيره ، وقد كان من عمر بن الخطاب مع أبي هريرة في ذلك ما يأتي ذكره ، فلو ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك استثناءً ، لم يَغْفُلْ عنه أحدٌ قط .
فإن قلت : وكذلك الاستثناء لا يغترُّ به أحد .
قلت : بل قد يجوز في أهل الورع ، والطبيعة الغليظة الغالبة أن تقطع على أن ( 1 ) ذلك هو مُرادُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو يسمع أنه تأويل قوله ، فيستثني هو من عند نفسه ، ولا يقصد روايته ، فيحسَبُه السامع من الحديث ، وهو الذي يسمى المُدْرَجَ ، أو يقصد إيهام ذلك ، لأنه عنده حقٌّ ، وقد نَسَبَ ابن عبد البر تعمُّدَ مثل هذا إلى الزهري ، بل قال في موضعين من " تمهيده " : إن الزهري كثيراً ما يفعل ذلك ، وخاصة مثل عمرو بن سعيد ، فإنه يخاف التكذيب إن لم يَسْتَثْنِ ذلك أو أن يُتَّهَمَ ، ويحتمل أن هشاماً ما سَمِعَ هذه الزيادة إلاَّ في حديث عمرو بن سعيد فتوهَّمها في الحديثين معاً خصوصاً ( 2 ) إن كان روى الحديثين ، والحامل على الإصغاء إلى هذه الاحتمالات مخالفة الأكثرين من الثقات فيما لا يُحتملُ غفلتهم عنه من المهمات والله أعلم .
وليس القصد أنه يحصُلُ لأحدٍ بهذه المبشرات القطع بالغفران والأمان المطلق لجهل الخواتم وتخويف الله تعالى الصالحين حيث قال : { وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 27 ) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ } [ المعارج : 27 - 28 ] ، ولكن القصد بيان الصحيح من الرواية ، وقد تقدمت الروايات المخالفات لهذه
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " بأن " .
( 2 ) في ( ف ) : " وخصوصاً " .