تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
الوجه الثاني : أن الملائكة عليهم السلام ما عرفوا حكمة الله في جعل آدمَ خليفةً في الأرض ، فقالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، فلم يجب عليه إلاَّ بالجواب الجُمليِّ ، فقال الله تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون } [ البقرة : 30 ] فإذا كفى الملائكة العلم الجمليُّ ، كفى كثيراً من المسلمين . فإن قلت : فرقٌ بين الأفعال والأقوال ، لأن الإيمان بحُسْنِ الأفعال على الجُملة تكفي ، وأمَّا الأقوال ، فلا بد من فهم معناها ، وإلا لكان الخطاب عبثاً ، والعبث لا يجوز على الله تعالى . قلت : ما مرادك بقولك : يجب فهم معناها ؟ هل تريد على جميع المسلمين أو على علماء المسلمين ؟ فإن قلت : على جميع المسلمين ، كنت قد جمعت بين المُناقضة والمباهتة . أمَّا المناقضة ، فحيث منعت المعرفةَ بتفسير كتاب الله في أوَّل جوابك ، ثم أوجبت العلم بمعانيه في آخره . وأما المباهتة : فلأنَّ الأمة مجمعةٌ إجماعاً ضرورياً على أن العلم بجميع معاني كلام الله تعالى جَليِّها وخفيِّها ومُحكمها ومتشابهها لا يجب على النساء والإماء والفلاحين وسائر عامَّة المسلمين . فإن قلت : إنه لا يجب أن يكون كلام الله معلوم المعنى إلاَّ لعلماء المسلمين ، فلم ننازِعْكَ في هذا ، ولكنك ادعيت في كتابك أنك لست من العلماء ، ولا ممن يعرف معاني كلام الله ، لأنك شككت في إمكان الاجتهاد ، ولا يصح هذا الشك وأنت مجتهدٌ . وأما التفسير ، فمنعت أنت معرفته بالمرة ، فلا يجب إذا لم تعلم تأويل أغمضِ المتشابهات أن تقطع على عجز العُلماء الراسخين ، مستدلاً على عجزهم بأنك عجَزت عَنِ المعرفة ، لأنه لا مُلازمة في العقل ولا في الشَّرع بين