ومثال العقلية : { واسألِ القرية التي كُنَّا فيها والعير } فإن العقل يعلم أن سؤال القرية والعير لا يصح ، فيفهَمُ المخاطب أن المراد : سؤال أهلها .
إذا عرفت هذا ، فاعلم أن القرينة العقلية إنما يصح الاستدلال بها على التجوز في الكلام متى كان العقل يقطع على أن المتكلِّم ممن لا يصح الظاهر في حقه ، فلهذه النُّكتة يختلف الاستدلال بها ، فيصح في مواضع فيما بين الناس ، ولا يصح مثله في كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه السلام .
مثال ذلك : أنا نفهم التجوُّز في قول الشاعر :
شكا إليَّ جملي طول السُّرى . . . يا جملي لَيْسَ إليَّ المُشتَكى
وذلك لأن العادة جرت بأن العجماوات لا تُكَلِّمُ إلاَّ الأنبياء ( 1 ) عليهم السلام ، فتعلم أنَّها لا تكلم سواهم على قولٍ ، ونظنُّ ذلك على القول الآخر .
فأمَّا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن هذا الجمل شكا أنَّك تُجيعُه وتُدْئِبُه " ( 2 ) ، فلا نفهم التَّجوز ، لأنا لا نعلم امتناع الظاهر في حقه ، ولا نظن ذلك .
ومن ها هنا اختلف كثيرٌ من المحدثين والمتكلمين في تأويل كثير من الأحاديث والآيات ، مثل قوله تعالى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم } [ الإسراء : 44 ] ، فالمتكلمون حملوه على التجوز ، لاعتقادهم أن الظاهر لا يصحُّ ، وأهل الحديث لم يتأوَّلوه ، لاعتقادهم أنه لا مانع من صحة الظاهر بالنظر إلى علم الكلام وقدرته ، لأنه خبر من يعلم ما لا نعلم ، ويقدِرُ على : إنطاق كل شيءٍ بالإجماع ، فقد ورد في القرآن : { عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطيرِ } [ النمل : 16 ] ، وكلام سليمان عليه السلام مع الهدهد والنملة ، ومن ذلك تسبيح الجبال مع داود عليه السلام ، وهذا من خواصِّه ومعجزاته ، وأما
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " للأنبياء " .
( 2 ) أخرجه من حديث عبد الله بن جعفر أحمد 1 / 204 و 205 ، وأبو داود ( 2549 ) ، وصححه الحاكم 2 / 99 - 100 ، ووافقه الذهبي .