تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
من الرواة ، ألا ترى كيف قال له علي بن الحسين عليه السلام : إنما العلم ما عرِفَ وتواطأت عليه ( 1 ) الألسن . وهذا هو مذهب المحدِّثين . قال مالك : من حدَّث بالغرائب كذب ، ومن أصول المحدثين الجرح بكثرة الرواية للغرائب عن الثقات المشاهير ، وقد كانوا يجدون من يروون عنه حديث الزهري من أهل الزهادة ، لكنهم رأوه أحفظ من أولئك الزهار وأعرف ، وكم من زاهدٍ تقيٍّ وهو ضعيفٌ عند المحدثين ، لا تحِلُّ الرواية عنه لما جرَّبُوا عليه من الوهم الكبير والتخليط ، فمن أنِسَ بعلم الحديث ، عرف أن الذي ينفرد به الزهري ويُغْرِبُه لا يكون إلاَّ قدراً يسيراً ، ولعل الذي يتعلَّقُ بالتحليل والتحريم لا يكون إلاَّ دون الرُّبُع من ذلك ، فلو قدَّرنا بطلان الاحتجاج ما كان ذلك ( 1 ) يضرُّ ، فكم تكون أحاديثه في جنب أُلوفٍ من الحديث ، فجملة ما تفرَّد قدر تسعين حرفاً بأسانيد جيدةٍ ، كذا قاله مسلم بن الحجاج فيما نقله عنه ابن الصلاح ، ذكره ابن العراقي في " التبصرة " ( 2 ) في الكلام على الشاذ ، وهذا مقدار ثلث العشر ، يزيد يسيراً ، فإن ثلث عشر حديثه ثمانون حديثاً ، ولا شك أن من روى ثلاثين حديثاً فواق الثقات في تسعةٍ وعشرين ، وانفرد بحديثٍ واحدٍ ، حافظٌ ثقةٌ ، بل قال الفقهاء والأصوليون إذا كان صوابه أكثر ، ولو بحديثٍ ، وجب قبوله . فهذه الأحاديث التي شذ بها الزهري لا يكون في الصحيح منها إلاَّ اليسير ، ولا يكون في التحليل والتحريم من ذلك إلاَّ اليسير ، مع أن كلام مسلمٍ لا يدلُّ على نفي الشواهد ، وإنما يدلُّ على نفي المتابعات ، وبينهما فرقٌ موضعه علوم الحديث ومع أن جماعةً من الكبار قد حكموا بالغرابة والشذوذ على بعض الأحاديث ، ثم انكشف لمن أمعن الطلب وجود متابعات كثيرة لتلك الأحاديث فاعرف ذلك .
هامش
( 1 ) ساقطة من ( ش ) . ( 2 ) 1 / 195 ، وقول الإمام مسلم هذا ذكره في " صحيحه " ص 1268 .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 252 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )