الوجه السادس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو كان حياً ، لعظُم حزنُه على ولده ( 1 ) الحسين عليه السلام ، كما عَظُمَ حزنه على عمه الحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فكره النظر إلى وجه قاتله بعد إسلامه من بين سائر من أسلم من الكفار ، وقال : " لكنَّ الحمزة لا بَواكِيَ له " ، فبكته نساء الأنصار ( 2 ) ، بل الشفقة على الولد أعظم ، والقلب له أرق وأرحم ، والمعلوم أنه لو حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لكان العزاء في الحسين عليه السلام إليه ، فانظر أيها المنصف : هل يحسن من المُعزِّي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشتغل بالترحم والاستغفار لقاتل الحسين مواجهاً بذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمن كان يستحسن هذا في الأدب أو الشرع أو العقل ، فليس من المميزين ، ومن كان يستقبح ذلك ، فليتأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد موته كما يتأدب معه في حياته ، ويتصوَّر أنه في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحضرة يزيد الخبيث ، ورأس الحسين مقوَّرٌ مشوَّهٌ منصوبٌ على عُودٍ ، ويزيد يضحك ويستبشر ، فكيف يستطيع مسلم في هذه ( 3 ) الحال أن يواجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالترحم والترضية على يزيد ، وهي حالة غضب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجهين :
أحدهما : لِمَا فيها من عظم عصيان الله بقتل سيد شباب أهل ولايته في جنته .
وثانيهما : لما فيها من الاستهانة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتعدِّي على ولده وريحانته ، فكيف يقول بعد هذا : إنه يُستحب أن يقرن في كلِّ صلاه بين ذكرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر ذريته الذين أوجب الله وُدَّهُم ، وذكر أعدى عدو لله ورسوله ، قاتل سلفه ، وسلف سلفه ، وثالم أمر أُمته بعد استقامته بنصِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،
هامش
( 1 ) " ولده " ساقطة من ( ف ) .
( 2 ) حديث حسن أخرجه أحمد 1 / 40 و 84 ، وابن سعد 3 / 17 ، وابن ماجة ( 1591 ) ، والحاكم 3 / 194 - 195 من طريق أسامة بن زيد الليثي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وصححه الحاكم على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وكذا صححه ابن كثير في " تاريخه " 4 / 49 على شرط مسلم ، مع أن أسامة بن زيد روى له مسلم في الشواهد ، وهو حسن الحديث .
( 3 ) في ( ش ) : " هذا " .