وقد ذكر الذهبي ما يدلُّ على هذا في " النبلاء " ( 1 ) ، أظنه في ترجمة سعد بن معاذ ، فإنه ذكر أن ضمة القبر من جملة الآلام التي تصيب المؤمن وغيره ، كآلام الدنيا . وهذا ممشى على أصول المعتزلة ، فإن منهم من يجيز الألم متى كان للألم عِوَضٌ ، ولا مانع من هذا بعد الموت ، ومنهم : من يَشْرُطُ مع العوض للاعتبار ، ولا مانع منه أيضاً ، فإنه يجوز أن يعتبر به المكلَّفون لعلمهم به ، وتصديقهم له .
وقال ابن عبد السلام في " قواعده " ( 2 ) في قاعدة عقدها في المستثنى من القواعد الشرعية : الثاني والعشرون : الصلاة واجبة على الأموات ، لافتقارهم إلى رفع الدرجات ، وتكفير السيئات ، إلاَّ أن الأطفال لا يدعى لهم بتكفير ( 3 ) السيئات .
وقد روى مالكٌ ، عن سعيد بن المسبب أنه سمع أنساً ( 4 ) يدعو لصبيٍّ في الصلاة عليه أن يُعيذه الله من عذاب القبر . وهذا ليس ببعيدٍ ، إذ يجوز أن يُبتلى في القبر كما يبتلى في الدنيا ، وإن لم يكن له ذنبٌ ، فيجوز أن يكون هذا رأياً من أنس ، و [ يجوز ] أن يكون أخذه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .
وهو مثل كلام الذهبي في تشبيه ذلك بآلام الدنيا ، وعدم خُلُوه من الحكمة إن ثبت ذلك على الصحيح ، والله أعلم .
الوجه الرابع : أن يكون الميت يستحق العذاب ، ويكون البكاء عليه سبباً لوقوع العذاب في ذلك الوقت ، فقد جاء في " الصحيح " : " من نُوقِشَ الحساب ، عُذِّبَ " ( 5 ) وله شواهد في الصحاح ، ومن لم يُبْكَ عليه أُخِّر عذابه
هامش
( 1 ) 1 / 290 في ترجمة سعد بن معاذ .
( 2 ) 2 / 142 - 143 ، وما بين حاصرتين منه .
( 3 ) في ( أ ) و ( ش ) : تكفير ، والمثبت من " القواعد " .
( 4 ) " الموطأ " 1 / 228 ، لكن فيه : عن أبي هريرة ، وليس عن أنس ، والخطأ من ابن عبد السلام ، وتابعه عليه المؤلف .
( 5 ) تقدم تخريجه 5 / 274 ، وهو حديث صحيح .