وتعالى ، فإنه سبحانه وتعالى تَمَدَّحَ بأنه الذي يُجيبُ المضطرَّ إذا دعاه ، ولم يتمدح ( 1 ) بأنه الذي يضطرُّ ، وإن كان هو خالق الضرورات ، لأنه خلقها ليَسُوقَ العباد إلى دعائه ، فيُجيبهم ، فيعرفونه ويشكرونه ، قال الله تعالى : { فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 42 - 43 ] . وقال : { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } [ النمل : 62 ] .
وفي " عوارف المعارف " للسُّهْرَوَرْدِي : إن الضرورات للعبد بمنزلة السوط للدابة ، لا تُضْرَبُ به حتى تَتْرُكَ السير ، أو تسير في غير الطريق .
ومن هنا وجب شكر الله على ما نفع وضر ، وحلا ومرَّ ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الحمد لله على كل حالٍ ، وأعوذ بالله من حال أهل النار " رواه الترمذي وابن ماجة ( 2 ) .
فإذا تقرَّر في الشرور التي خلقها الله تعالى وحده ، وليس للعباد فيها كسبٌ ، ولا لقدرتهم بها تعلُّقٌ ، لا تضاف إليه إلاَّ مُغَيَّرَة الاسم ، مُعتَقَداً فيها أنها خيرٌ وبركةٌ ورحمةٌ وحكمةٌ ، فكيف يضاف إلى الله تعالى ذنوبُ العباد وفواحِشُهم من الوجه الذي هي منه كفرٌ وفجورٌ مستحقةٌ لجميع الأسماء القبيحة ، والمعاني الخَسِيسَةِ .
وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ } [ الحجر : 49 - 50 ] أن في ذلك تنبيهاً على أنه لا يُشتَقُّ لله تعالى أسماءٌ من مخلوقاته الضارة ، لأنه لم يقل : إني المعذِّب المؤلم ، كما قال : إني أنا الغفور الرحيم .
وذلك تعليمٌ لحسن الأدب والتعبير عن مختلفات أفعاله التي دارَتْ على
هامش
( 1 ) في ( أ ) : بمدح .
( 2 ) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص 208 .