الجنة بعد مقاساة مصائب الدنيا وضروراتها وهمومها ، وبين لَذَّتِها لو خُلِقَ أهلها فيها قبل ذلك ؟ ! كما أنه لا يخفى أن لذة شرب الماء العذب بعد العطش الشديد أعظم منها قبله ، وقد أوضحت هذا في مرتبة الدواعي ، فيراجع ( 1 ) منها .
وقد تواتر خَرْقُ العادات في المعجزات ، ونطق القرآن بأن عيسى كان يُحيي الموتى ، ويُبْرِىءُ الأكمه والأبرص ، وأجابه الله في إنزال المائدة كما أجاب سليمان عليه السلام في إعطائه ذلك الملك العظيم الخارق لعادات ملوك المخلوقين أجمعين . وقال تعالى : { فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ( 40 ) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } [ المعارج : 40 - 41 ] في آياتٍ كثيرةٍ في هذا المعنى دالةٍ على أن لله تعالى حكمةً في خلق المذنبين ، مع قدرته على تبديلهم بخيرٍ منهم ، لولا ما سبق في حكمته وحق من كلماته ( 2 ) .
وقال تعالى : { يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } [ الأنبياء : 69 ] مع أنه تعالى لم يفعل ذلك في حقِّ أهل الأُخدود ، فدل على شمول قدرته ، وغموض حكمته ، وقد تواتر الأمر بسؤال العافية في الدَّارَيْنِ ، وأجْمَعَ المسلمون على ذلك .
وقال الغزالي أيضاً في كتاب العلم من " إحياء علوم الدين " ( 3 ) في أقسام العلوم الباطنة ما لفظه : القسم الثاني من الخفيات التي منع الأنبياء والصِّدِّيقون من ذِكْرِها : ما هو مفهومٌ في نفسه لا يَكِلُّ الفهم عنه ، ولكن ذِكْرُه يَضُرُّ بأكثر المستمعين ، ولا يَضُرُّ بالأنبياء والصدِّيقين ، وسرُّ ( 4 ) القدر الذي منع أهلُ العلم به من إفشائه من هذا القسم ( 5 ) ، فلا ( 6 ) يبعد أن يكون ذكر بعض ( 7 ) الحقائق مُضِرّاً
هامش
( 1 ) في ( ش ) : فليراجع .
( 2 ) في ( ش ) : كتابه .
( 3 ) 1 / 101 في كتاب قواعد العقائد في الفصل الثاني منه ، لا كما أشار إليه المصنف رحمه الله أنه في كتاب العلم .
( 4 ) في ( أ ) و ( ش ) : وهو سر ، والمثبت من " الإحياء " .
( 5 ) عبارة " من هذا القسم " لم ترد في ( أ ) و ( ش ) .
( 6 ) في ( أ ) و ( ش ) : ولا .
( 7 ) " بعض " سقطت من ( أ ) .