كتابه " حادي الأرواح " وأفْشَى هذا السرَّ كما يأتي في مسألة دوام العذاب ، ولم يَرَوْهُ سراً ( 1 ) ، بل ذكروه ( 2 ) عن جماعةٍ وافرةٍ من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام ، واحتجوا عليه بالكتاب والسنة ، وإن كان الوقف عما تجاسروا عليه أحوط في الدين وأولى بمن يحب اتباع السلف الصالحين ، لكنه خير من الرمز بالأسرار في أمور الإسلام لما يؤدي إليه من سوء الظنون .
مع أنه يمكن أن الغزالي أراد ما ثبت النهي عنه من إظهار ( 3 ) الرحمة والرجاء لمن يخاف عليه الفساد ، وقد اختلفت الآثار في هذا المعنى ، واستقرَّ الأمر على جواز رواية الأخبار في ذلك ، كما يجوز تلاوة الآيات المُقتضية لذلك ، ومن عصى الله تعالى بسبب ذلك ، فما أُتِيَ إلاَّ من سوء اختياره ( 4 ) ، إذ قد سمع تلك البِشَارات خلقٌ كثيرٌ من السلف الصالح ومن بعدهم ، فشكروا عليها ، وازدادوا نشاطاً ، فالعاصي ( 5 ) بذلك كالعاصي بسماعه أن الله غفور رحيم ، والله سبحانه أعلم .
وأما قول الغزالي : إنه لا يمكن خلو الخير من الشر ، فإن أرادَ في أنظار العقول ، فذلك يُمكِنُه دعواه ، والتشكيك فيه ، والتجويز البعيد له ، ولعل مراده في بعض مدارك العقول على سبيل المعارضة للشبه الفلسفية ( 6 ) بمثلها ، وأما بالنظر إلى البراهين السمعية ، فإنه معلومٌ ضرورة إمكان تحصيل كل خير بقدرة الله تعالى خالصاً من الشرور ، ولكن لا يعلم أن ذلك أرجح بالنظر إلى حكمته التي هي تأويل المتشابه .
فإن نازَعَ في هذا المقام منازِعٌ رَدَدْناه إلى السؤال الأول ، وكم بين نعيم
هامش
( 1 ) في ( أ ) : شراً ، وهو خطأ .
( 2 ) في ( أ ) و ( ش ) : ذكره ، والصواب ما أثبته .
( 3 ) " من إظهار " سقطت من ( أ ) .
( 4 ) في ( ش ) : فما أتي إلاَّ من جهة نفسه ، وقد .
( 5 ) في ( ش ) : والعاصي .
( 6 ) في ( ش ) : لشبه الفلسفة .