أن التوصل بالشر الخاصِّ إلى الخير العام خيرٌ محضٌ ، لا ينبغي لحكيمٍ ( 1 ) أن يُهْمِلَه .
واتهم خاطِرَك الثاني وهو قولك : إنه يمكن تحصيل ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر ، فإن هذا أيضاً دقيق [ غامض ] ، فليس كلُّ مُحالٍ ومُمْكنٍ مما يُدرَك إمكانه واستحالته بالبديهة ، ولا بالنظر القريب ، بل يُعرف ذلك بنظرٍ غامضٍ دقيقٍ يَقْصُرُ عنه الأكثرون .
فاتَّهِمْ عقلك في هذين الطرفين ، ولا تشكَّ أصلاً في أنه أرحم الراحمين ، وأنه سبقت رحمته غضبه ، ولا تَستَرِيبنَّ ( 2 ) في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق اسم الرحمة ، وتحت هذا سر منع الشرع من إفشائه ، فاقنع بالإيماء ( 3 ) ولا تطمع في الإفشاء ، ولقد نَبَّهت بالإيماء والرمز إن كنت من أهله فتأمل .
لقد أسمعتَ لو نَادَيْتَ حَيّاً . . . ولكِنْ لا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي ( 4 )
هذا حكم الأكثرين .
وأما ( 5 ) أنت أيها المقصود بالشرح ، فلا أظنك إلاَّ مستبصراً بسِرِّ القدر ، مستغنياً عن هذه التحويمات ( 6 ) والشبهات . انتهى بحروفه .
وهو قريبٌ من مذهب البغدادية ، أو هو هو ، وقد نصره شيخُ الإسلام الحَرَّاني إمام المعقولات والمنقولات ، وجوَّد تلميذه ابن قيِّم الجوزية ذلك في
هامش
( 1 ) في " المقصد " : للخير .
( 2 ) في " المقصد " : تسترب .
( 3 ) في " المقصد " : بالإيمان ، وهو خطأ .
( 4 ) البيت غير منسوب في " الأمثال والحكم " للرازي صاحب " مختار الصحاح " ، و " زهر الأكم " 2 / 249 لليوسي وهو آخر بيت من قصيدة أنشدها عز الدين المقدسي في كتابه " كلام الطيور والأزهار " على لسان الغراب انظرها في " حياة الحيوان " 2 / 104 للدميري .
( 5 ) في ( أ ) : فأما .
( 6 ) في ( أ ) و ( ش ) : التخويفات ، والمثبت من " المقصد " .