بِأَنْفُسِهِمْ } [ الأنفال : 53 ] فكيف يحسُنُ أن يكون المعنى : حتى يُغَيِّرَ الله ما بأنفسهم ، وكيف يصح أن لا يُغيِّرَ حتى يُغَيِّرَ ، وكيف يُجعَلُ هذا هو معنى كلام الله على الحقيقة ، فإلى هذا يَؤُولُ النَّظَرُ الصحيح .
ومنه : { يَكِيدُونَ كَيْدًا ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْدًا } [ الطارق : 15 - 16 ] .
ومنه : { فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا } [ الكهف : 80 ] .
ومنه : { ادْعُونِي أَستَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] .
النوع السادس عشر : أن الله وهو أصدق القائلين بأنه الغفور الغفار واسع المغفرة ، فإما أن يكون الذنب من غيره والمغفرة منه ، فذلك المعقول ، أو يكون الذنب والمغفرة منه ، فذلك المعقول ، أو يكون الذنب والمغفرة منه معاً ، فيكون غافراً لنفسه ، وهذا شيءٌ لم يُعقَلِ التمدح به قط .
النوع السابع عشر : قول يونس عليه السلام : { سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [ الأنبياء : 87 ] ، وما أعظم أدبه وألطفه عليه السلام حيث قَدَّمَ التسبيح قبل أن يُجْرِيَ ذِكرَ ظُلمه لنفسه ، ناسِباً للظلم إلى نفسه دون رَبِّه ، فما نَزَّهَ ربه إلاَّ في ذكر الظلم في خطابه لربه غير منسوب إلى ربه ، كما نقول للملك العادل : إن الظلم - حاشاك من ذِكرِهِ - شِعارُ غيرك .
ومن أدبه عليه السلام تقديم التسبيح على ذِكْرِ الظُّلم المنفيَّ عن الله ، كأنه استقتح أن يتقدم ذكر الظلم في خطاب الله تعالى حتى يتقدمه تنزيه الله وتقديسه من مجرد مرور ذلك على لسانه في خِطَابِ الملك القدوس السُّبُوح ، ربِّ الملائكة والروح .
فكيف ترى مع ذلك تَحْسُنُ إضافة الظلم إلى الله بحرف " مِن " الدالة على الاختصاص ، ولدلالتها على الاختصاص قال الله تعالى : { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أنفُسِكُم } [ آل عمران : 165 ] ، فهذا في العقوبات لِلعُصاةِ التي خلقها وحده
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 189
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص١٨٩