تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الواجبات المفروضات من جميع كتبه المُنزلات ، وكلماته الطيبات المباركات : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَستَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] فالاستعانة من العبد بالله ، ولا يصح أن تكون الاستعانة إلاَّ بين اثنين ، لأن المستعين لا يكون إلاَّ مفتقراً محتاجاً ، والمستعان به لا يكون إلاَّ غنياً حميداً كريماً عليماً قديراً لطيفاً رحيماً ، فكيف يصح أن تكون الاستعانة له منه ؟ ! فيجتمع فيه الفقر والغِنى ، والعجز والقدرة . وقد احتج بهذه الآية الكريمة شيخ الأشاعرة الشهرستاني في " نهاية الإقدام " على القدرية والجبرية ، فقال ما معناه : إن العبد لو كان مستقلاًّ بنفسه وقُدرته ومشيئته لم يحتج إلى الاستعانة ، ولو لم يكن له فعل يتوقف على اختياره وجهده لم يحتج إلى الاستعانة أيضاً ، فإنك لا يصح في لغة العرب التي نزل عليها كتاب الله أن تستعين الله على أفعاله المَحْضَةِ ، فلا تستعينه على أن يغفر لك أو يُطِيلَ عُمرَك ، بل تسأله أن يفعل ذلك لا أن يُعِينَك عليه . قال : وكل مُنْصِفٍ يجد من نفسه ذلك ، فإنه يهتم بما يقدر عليه ، وتجد الداعي الباعث لك على أن تفعله وتُحسِنَ الاقتدار على الاحتراك فيه ، ولا تجدُ اقتداراً على التمام وبلوغ أقصى المرام من أفعالك حتى تجد القدرة على الرَّمْي دون الإصابة ، وعلى الكتابة دون التجويد الذي تَمَنَّاه ، وعلى التساوي بحيث لا يختلف ، وعلى الصلاة دون كمال الخشوع الذي لا نسيان فيه ولا غفلة ولا شيء من أنواع النقص . وقد نبَّه الله تعالى على ذلك بقوله : { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } [ الأنفال : 42 ] ، ولذلك ورد الوعيد بالتَّخْلِيَة بين العبد وبين نفسه عند الغضب على العبد والمؤاخذة والاستعاذة من ذلك ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . النوع الخامس عشر : ما جاء على جهة الشرط والجزاء لفظاً أو معنىً ، أو ما يقارب ذلك ، كقوله تعالى : { فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُم } [ البقرة : 152 ] فإن الذكر الأول قُربَةٌ من العبد إلى الله ، صدرت على نية التعبُّد والتذَلُّل لِعِزَّة الله ، والذِّكر
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 186 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )