تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
فإن كان المتكلم بهذا أراد الترجمة عن أوائل الخلق فإن الله تعالى خلق الكافر وقدرته والداعي له ، ولم يمنعه بمانعٍ ضروريٍّ ، ولا مانعٍ اختياريٍّ ، ووكله إلى نفسه ليَبْلُوَه ويُقيم عليه حجة عدله ، لما له في ذلك من الحكمة البالغة على ما أشار إليه قوله تعالى في أهل السعادة : { وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله } [ التكويرة 29 ] ، وقوله تعالى في أهل الشقاوة : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [ السجدة : 13 ] ، وقوله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ } [ الأعراف : 179 ] وسائر ما تقدم في ذلك فهذا أمرٌ متفق عليه . وهذه العبارة لا تدل عليه بل تُضَادُّه ، لأن الله تعالى علم وقوع المعاصي من العاصي باختياره حجة عليه ، وما قَدَّر الله أنه من غيره ، لم يكن من الله ، وإلا لكان قد انعكس عليه مراده في القدر ، والقَدَرُ سَبَق بأن الحجة لله ، والذنب من المذنب واقعٌ بالاختيار على وجهٍ يكون حجة عليه في علم الله وعقول العقلاء . وقد قدمت الكلام في تسلسل الأمور وتدريجها بالحكمة البالغة إلى قدر الله وقضائه في المرتبة الأولى ، وأن ذلك إجماع من يُعْتَدُّ به من المسلمين ، لم يخالف فيه إلاَّ من نفى علم الغيب . وإن كان المتكلم أراد بذلك الجبر ونفي الاختيار رد عليه بالتفرقة الضرورية بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب كرهاً كما مضى ، وبالنصوص الصَّادِعَة : { وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [ التوبة : 42 ] وهو نصٌّ جليٌّ لا يمكن مدافعته البتة ، ولله سبحانه الحجة البالغة . ومن ذلك قوله : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] ، ومنه قوله : { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ } [ ص : 75 ] ، ومنه قوله تعالى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ