وكيف يصحُّ له مع هذا قوله : إن ذلك الكسب الذي هو كفر وكذب وفجور وظلم من الله سبحانه وتعالى .
بيانه : أن الكفر والمعاصي إن كانت على زعمه من الله وحده ولا أثر فيها من العبد ، فهذا محض الجبر الذي اعترف ببطلانه ، ففيه أيضاً نفيُ الكسب الذي اعترف بثبوته وأنه لا بد منه ، وإن اعترف أن ذلك من الله ومن العبد معاً ، فإما أن يقول بتمييز ما هو من الله عما هو من العبد ، كقول الأشعرية بالكسب ، فالذي من العبد عندهم يُسَمَّى كسباً ، والذي من الله عندهم يسمى خلقاً ، لا كسباً ولا كفراً ولا معصيةً ، والذي من العبد هو الكسب الذي هو كفرٌ ومعصيةٌ .
وكذلك إن اختار تمييز الخلق من الكسب ، وقال : مقدورٌ بين قادرين ، فإنهم فرَّقوا في المعنى والاسم كما تقدم تحقيقه ، ولو كانت المعاصي من الله كان عاصياً ، وقد تمدح سبحانه بالمغفرة ، ولا يصح لمن ليست المعاصي منه قطعاً ، وإلا كان غافراً لنفسه سبحانه وتعالى .
وما الملجىء إلى هذه العبارة المُوهِمَة للجبر الذي قد اعترف ببطلانه مع براءة الكتاب والسنة وعبارات السلف منها ، بل مُضَادَّةٌ لذلك كله لها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وإن كانت ذهبت العلوم فأين الأدب والعقول ، فيالها من زلةٍ قبيحةٍ ، ونسبةٍ إلى أهل السنة غير صحيحة ، بل فيها تمكينٌ لأعدائهم من التشنيع عليهم ، وجنايةٌ عليهم بالتنفير عنهم ، وتجهيلٌ لعوامِّهم لاعتقادهم من ظاهرها أن العبد مُجْبَرٌ غير مختارٍ ، بل إنه لا فعل له البتة لا اختياري ولا اضطراري ، لمصادمته لما جاءت به الشرائع ، وعُلِمَ من الكتاب والسنة من إضافة أفعال العباد إليهم بهذه العبارة بعينها وسائر العبارات كما أُوضِحُه إن شاء الله تعالى .
ومع وضوح الخطأ في هذه العبارة على أهل السنة فقد قلَّد المُبتَدع لها كثيرون ، على ظن أنها عقيدة أهل السنة .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 144
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص١٤٤