ويظهر الغرض منه بمسألةٍ ألقاها أبو هاشم حارت فيها عقول الفقهاء ، وأنا ذاكرها ومُوضحٌ ما فيها : وهي أن من توسط جمعاً من الجرحى ، وجثم على صدر واحدٍ منهم ، وعلم أنه لو بقي على ما هو عليه ، لهلك من تحته ، ولو انتقل عنه ، لكان في انتقاله هلاك من انتقل إليه ، فكيف حكم الله عليه ؟
وهذه المسألة لم أتحصَّل فيها من قول الفقهاء على ثَبَتٍ ، والوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سُخط الله عليه .
أما وجه سقوط التكليف ، فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يُطِيقُه ، ووجه استمرار حكم العصيان عليه تسبُّبُه إلى ما لا تخلُّصَ منه . انتهى كلام الجويني .
وفيه ما ترى من الإنصاف ، فإنه لم يُعنِّف ( 1 ) عدوَّهم أبا هاشم ، ويؤاخذه بظاهر العبارة ، ويلزمه الجبر وتكليف ما لا يُطاق ، بل غاص فكره اللطيف في غَمْرَةِ هذه المشكلة حتى استخرج العذر لأبي هاشم .
وكذلك يجب من المعتزلي أن يستخرج عذر أبي الحسن الأشعري كما يستخرجه حُذَّاق أتباعه ، ولو فعل الفريقان هكذا لذهب عنهم نصب الشيطان ، والله المستعان .
إذا عرفت كلام الجويني في مراد أبي هاشم ، فاعلم أن منهم من يُسمِّي بقاء حكم العصيان تكليفاً ، وإن لم يكن فيه اقتضاء فعلٍ وطلب تنجيزه ، فيَنْسُبُ إليه أن يقول بتكليف المحال ، ومن ذلك قول الأشعري : " لا ينقطع التكليف بفعلٍ حال حدوث " أراد استمرار الحكم من غير طلبٍ ، وإنما صح استمرار الحكم عنده ، لأن اختياره كان سبب خلق الله تعالى لذلك ووقوع العبد فيه ، وانقطاع اختياره فيه حينئذٍ غير عُذرٍ له ، لأن اختياره أوَّلاً هو كان سبب انقطاع اختياره ثانياً ، كالرامي يتُوبُ قبل أن يُصيب ، ثم يصيب سهمه ويقتل ، والمُلْقِي لغيره في النار يندَمُ عقيب إلقائه .
هامش
( 1 ) في ( أ ) و ( ش ) و ( ف ) : يغنم .