فانظر كيف تواتَرَتْ ( 1 ) عنهم النصوص البَيِّنَة على دعوى الضرورة في أن أفعالنا اختياريةٌ لنا ، وهذا أبلغ من قول المعتزلة ، فإنهم قالوا : إن علمنا بذلك استدلاليٌّ يُنسب المُنكِرُ له إلى التأويل ، ويحتاج إلى المناظرة .
وإذا كان مثل هذا من المنصوص في كتبهم المتداولة في بلاد الزيدية والمعتزلة ، فكيف يحسُنُ بمن يدعي العلم والتُّقى أن ينسب إليهم كما فعله هذا المعترض ، وكما يفعله كثير من المعتزلة والشيعة في مصنفاتهم .
ومن ذلك قول قطب الدين الشيرازي في " شرح مختصر ابن الحاجب " في مسألة التحسين والتقبيح ما لفظه : والتحقيق في هذه المسألة أن فعل العبد جائزٌ صدوره ولا صدوره ، ويترجح وجوده بالاختيار ( 2 ) .
قوله - يعني صاحب الشبهة - : الفعل مع المرجح إن كان لازماً كان اضطرارياً ، ممنوعٌ ، لأن وجود الشيء بشرط الغير لا ينافي القدرة عليه ، وإلاَّ لَزِمَ نفي قدرة الله تعالى لوجوب صدور المعلومات عنه بشرط إرادته الجازمة . . إلى آخر ما ذكره .
وقال الجويني في مقدمات " البرهان " ( 3 ) :
فإن قيل : ما عَلِمَ الله أنه لا يكون ، وأخبر عن ( 4 ) وَفْقِ علمه أنه لا يكون ، فلا يكون ، والتكليف بخلاف المعلوم جائزٌ .
قال الجويني : قلنا : إنما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدورٌ في نفسه ، وليس امتناعه بالعلم ( 5 ) بأنه لا يقع ، ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه ، فالعلم يتعلق به على ما هو عليه ، والعلم ( 6 ) بالمعلوم لا يغيِّرُه ولا يوجبه ، بل يتبعه في النفي والإثبات ، ولو كان العلم يُؤَثِّرُ في المعلوم ، لما تعلق العلم بالقديم
هامش
( 1 ) في ( أ ) : توارت ، وهو خطأ .
( 2 ) في ( أ ) الاختيار .
( 3 ) 1 / 105 .
( 4 ) في " البرهان " : على .
( 5 ) في " البرهان " : للعلم .
( 6 ) في " البرهان " : وتعلّق العلم .