تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وأما آيةُ النفي فتعارض فيها النفي والإثبات ، فاستحقَّتِ التأويل ، ولو لم نتأولها وجرينا على ظاهر نفي الرمي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لم يكن ظاهرها يجري على مذهب أحدٍ من فرق أهل السنة الأربع ، فإنهم يجمعون على نسبة أفعال العباد وإن كانت مخلوقةً ، ويكون ظاهرها محتاجاً إلى التأويل بالإجماع . ولذلك احتج بظاهرها ابن عربي الطائي في " فصوصه " ( 1 ) على الاتحاد ، وظن أن ظاهرها كلها ( 2 ) تساعده على ذلك ، وليس كذلك ، فإنه إن ساعده ظاهرُ شطرها ، نافره ظاهرُ الشطر الثاني ، وكفى بذلك تعارُضاً يوجب ترك الظاهر والعدول إلى سائر الآيات المُحكَمَات الدالة على إثبات أفعال العباد ، ونفي ما توهَّمَهُ من الاتحاد ، وبطلانُ جميع ذلك أوضح من أن يعين الاحتجاج عليه دليل ، فإنه معلوم ( 3 ) من ضرورة الدين والعقل ، والمُعَوَّل عليه في مثل هذه المعلومات هو القرائن الضرورية القاضية بالعلم ، والعقول المفطورة على الفهم ، التي لولا هي ، لم يصح الخطاب ، ويُخصَّ ( 4 ) به ذوو الألباب في نصوص الكتاب . ولآية الرمي سببٌ نزلت عليه ، فَلْتَتِمَّ الفائدةُ في الإشارة إليه ، قال الواحدي في " أسباب النزول " ( 5 ) : أكثر أهل التفسير أن الآية نزلت في رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - القبضة من حصى ( 6 ) الوادي يوم بدرٍ حين قال للمشركين : " شاهت الوجوه " ورماهم بتلك القبضة ، فلم تَبْقَ عينُ مشرك إلاَّ دخلها منه شيء . قال حكيم بن حزام : لمَّا كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حَصَاةٍ وَقَعَتْ في طَشْتٍ ، ورمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الحصيات ، فانهزمنا ، فذلك قوله تعالى : { ومَا رَمَيْتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رَمى } [ الأنفال : 17 ] .
هامش
( 1 ) ص 185 . ( 2 ) " كلها " ليست في ( ش ) . ( 3 ) " معلوم " سقطت من ( ش ) . ( 4 ) في ( ش ) : يختص . ( 5 ) ص 156 - 157 . ( 6 ) في " أسباب النزول " : حصباء .