تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
ألا ترى أنها لم تُؤْتَ ملك سليمان ، ولو أُوتِيَتْ ذلك ما قهرها وغلبها ، ولو دخلت في هذا القبائح كانت زانيةً بَغِيَّةً ، مسافِحَةً مجاهرةً ، ولو كانت كذلك ما تزوجها عليه السلام . يوضحه : أن الله يعلمُ كلَّ شيء ، ولا يلزم أن يعلم عدم موجودٍ ، ولا سعادة شقيٍّ ، ولا كذب صادقٍ ، لأن المعنى : يعلم كل شيء معلوم ، فكذلك هو خالقُ كل شيء ، وكذلك لم يدخل شيء في ذلك من كلمات الله تعالى التي تَقِلُّ البحار عن أن تكون مِداداً لها . فليلخص ( 1 ) من هذا أن أهل السنة وإن أجمعوا على أن أفعال العباد تُسَمَّى مخلوقةً ، فلم يعنوا بذلك أمراً يُوجِبُ الجبر وينفي الاختيار ، واختلف تفسيرهم لهذه العبارة بما تقوم معه لله سبحانه وتعالى على عباده الحجة البالغة ، والحمد لله رب العالمين . القسم الثاني : من أدلة أهل السنة على خلق الأنعال : ما اختلفوا في صحة الاحتجاج به ، وتفرَّد به الفرقتان الأوَّلتان ، ومَنَعَ من الاحتجاج به الفرقتان الآخرتان : آيتان وحديثان . الآيةُ الأولى : { وَمَا رَمَيْتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمَى } [ الأنفال : 17 ] احتج بها من قال بخلق الأفعال أنفسها ، وأجاب الآخرون بأنها مَسُوقَةٌ لبيان إعانة الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في أثر تلك الرمية ، أو تولِّيه سبحانه لأثرها كله ، وليس في الآية ما يدلُّ على أن الله تعالى هو المتفرِّدُ بكل ما فعل ( 2 ) العبد من جميع الوجوه ، وكيف يصح ونص الآية شاهدٌ بإثبات فعل العباد حيث قال : { إذْ رَمَيْتَ } فالله تعالى أثبت الرمي في نص الآية منسوباً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونفاه عنه في نصها أيضا ، فوجب تأويلُ ذلك على كل مذهب ، وتنزيله منزلة قوله تعالى : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [ الحج : 46 ] مع قوله تعالى : { لَيسَ على الأعمى حَرَجٌ } [ النور : 61 ] .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : فتلخص . ( 2 ) في ( ش ) : بخلق أفعال .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 105 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )