ويدل على ذلك حديث رِفاعة بن رافع ، وسيأتي ( 1 ) في تفسير قوله تعالى : { والله خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُون } [ الصافات : 96 ] .
وهذه أحاديث صحاحٌ ، وفيها شهادة على الفرق المعلوم من الدين والعقل بين خلق الرب سبحانه وفعل العبد الضعيف ، وأن بينهم من التمايز والتباين العظيم ما أوجب ( 2 ) على العبد تحريم تشبيهه لكسبه الراجع إلى الوجوه الإضافية العدمية ، الموقوف على سائر القَدَرِ والتيسير والمشيئة بخلق ربه عز وجل .
بل هذه مذاهب الأشعرية في جميع أفعال العباد إلاَّ ما كان تقديراً وتصويراً في الأجسام ، فإنه يُسَمَّى خلقاً بمعنى آخر ، أي : تقديراً .
وأما سائرُ أفعال العباد ( 3 ) ، فعند أهل السنة كلهم أنها من حيث نُسِبَتْ إلى العباد لا تسمى خلقاً ، وإنما تُسمى كسباً وعملاً وفعلاً . فالوجه عندي في ذلك فيها واحدٌ ، وهو أن أهل اللغة سَمَّوْها بذلك فَرْقاً بينها وبين إيجاد الأجسام من العدم وتصويرها ، لا ( 4 ) لأنها أفعالُ العباد خاصة ، بل هذا مذهب البغدادية من المعتزلة : أن الخلق اسمٌ لما يوجده الله بغير مباشرةٍ .
وبعد اعتراف الأشعرية بأسمائها هذه ، بقي ( 5 ) تسميتها خلقاً مجرد دعوى تحتاج إلى دلالةٍ تقطع الخلاف .
ولأمرٍ ما اختلفت العباراتُ عن أفعال الله تعالى أيضاً فعبَّر سبحانه عن بعضها بالخلق ، وعن بعضها بأخصِّ أسمائه كإنزال المطر ، ورفع السماء ، فإن المطر والسماء يُسَمَّيَان مخلوقين ، والإنزال والرفع لا يُسَمَّيَان مخلوقين بل مفعولين .
هامش
( 1 ) ص 115 من هذا الجزء .
( 2 ) في ( ش ) : يوجب .
( 3 ) من قوله " إلاَّ ما كان تقديراً " إلى هنا سقط من ( ش ) .
( 4 ) " لا " سقطت من ( ش ) .
( 5 ) تصحفت في ( أ ) إلى : نفى .