تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
فإن القول بذلك هو الفاروق ما بين السني والبدعي ، وإن بقية الاختلاف إنما أكثرُهُ في العبارات . فتأمل هذه الفائدة العظمى وأيقِظْ بها قلبك ، وشُدَّ بها يديك ، فهي من نفائس علوم الخاصة ، وما يعقلها إلاَّ العالمون . فمن هنا أطلق إمام الحرمين وأصحابه على أفعال العباد أنها مخلوقة ، ويحتجون على صحة هذه التسمية بما ذكرناه من أدلة السمع الخاصة والعامة المُتَّفَقِ عليها بينهم ، والمختلف فيها على حسب رأيهم في المختلف فيها . وقد أشار الغزالي في مقدمات " الإحياء " ( 1 ) ، بل صرح أن الحامل على تسمية أفعال العباد مخلوقة إنما هو الإيمان بقوله تعالى : { خَالِقُ كلِّ شيء } [ الأنعام : 102 ] ، وصرَّح فيها ببطلان الجبر ، وأن بطلانه ضروري للفرق بين الحركة الاختيارية والضرورية ضرورةً ، والله أعلم . الوجه الثاني : أن يقال : يلزمهم أن يوصف العبد بأنه خالقٌ لأفعاله . والجواب عنهم في ذلك أنه لا يلزم في كل شيء أن يسمى مخلوقاً في اللغة لوجهين : أحدهما : أن تسمية كل شيء بذلك يحتاج إلى نقل صحيح عن أهل اللغة وهو معدوم ، ولم يُعهَد عن أحدٍ من أهل اللغة أنه يقول : خَلَقتُ قياماً ( 2 ) ولا صياماً ولا حلالاً ولا حراماً . الوجه الثاني : أنه يُفهَمُ من كثيرٍ من الكتاب والسنة وكلام البُلَغاء أن ذلك يختص ببعض الأمور دون بعض . من ذلك قوله : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [ طه : 50 ] فعطف الهدى المتعلِّق بالأفعال على الخلق المتقدم لها ، وظاهره المغايرة
هامش
( 1 ) 1 / 110 و 111 . ( 2 ) تحرفت في ( ش ) إلى : فتأمل .