هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا } [ الأنعام : 150 ] .
وليس هذا الجواب من التأويل المخالف للظاهر ، بل فيه بيان ما رجع إليه اسم الإشارة بالحجة كفعل الخصم بغير حجة .
وغاية الأمر أن هذه الآية الكريمة كآية المنافقين سواء ، حيث احتجوا بالحق على الباطل ، وسيأتي تمام الكلام على هذا مستوفى في جواب الآية الثالثة ، فتأمَّلْهُ هنالك ، فإنه مفيدٌ جداً ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
وليس مع المعتزلة شُبهةٌ إلاَّ كون المشركين احتجوا بذلك ، وليس يلزم في كل ما نطق به المشركون أنه باطل ، وإن ظنوا أنه حجةٌ لهم ، فما زالوا يحتجون بالحق على الباطل ، وذلك كثيرٌ في كتاب الله ولا فرق بين قولهم : { لو شاءَ الله ما أَشْركْنا } [ الأنعام : 148 ] وبين قولهم : { لو شَاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً } [ فصلت : 14 ] ، وقولهم : { أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ الله أطْعَمَه } [ يس : 47 ] من قبيل قول الخوارج ( 1 ) : لا حكم إلاَّ لله ، والجواب عليهم من قبيل قول علي رضي الله عنه : كلمة حق يراد بها باطل .
وقد جمع الله سبحانه تمسُّكهم بهذه الشبهة وتمسكهم بنظيرها من مقدورات الله الممتنعة بالحكمة في آيةٍ واحدة يساوي فيها بين الشبهتين ، ولله الحمد ، وذلك قوله تعالى في الزمر : { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } [ الزمر : 57 - 58 ] .
ألا تراه قد أجاب عن كل واحدة من هاتين الشبهتين في كتابه الكريم ، فقال في جواب الأولى : { قُلْ فلِلهِ الحُجَّةُ البالغةُ فلَوْ شاءَ لَهَدَاكُم أجْمَعينَ }
هامش
( 1 ) في ( ش ) : في أن الجميع قول الخوارج .