تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
[ الأنعام : 149 ] ، وقال في جواب الثانية : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا } [ الأنعام : 28 ] ، وساوى في آية ( الزمر ) في الجواب بينهما ، فجاء بأمرٍ يَعُمُّهُما لما كان معناهما الأخص مفترقاً ، فقال تعالى : { بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [ الزمر : 59 ] . وهذا مثل قوله : { فَهَلْ على الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبينُ } [ النحل : 35 ] ، وبلاغ الرسل ومجيءُ الكتب مع خلق العقول والقدرة هو المُعَبَّرُ عنه بالهدى في قوله : { وأمَّا ثَمودُ فهَدَيناهُم } [ فصلت : 17 ] وهو الهدى العام ، وفيه إبلاغ العذر كما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ مِنَ الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب " ( 1 ) ، وما زاد على ذلك من الهدى ، فإنه فضلُ الله يؤتيه من يشاء بمنةٍ وفضلٍ ، ويصرِفُه عمن يشاء بحكمةٍ وعدلٍ ( 2 ) . ألا ترى إلى قوله تعالى في آخر هذه السورة : { وقال لَهُمْ خَزَنَتُها } [ الزمر : 71 ] الآية . وأما كذبهم على الله ، فسوف يأتي بيانه قريباً في الآية الثالثة . فبان بهذا أن الله عزَّ وجلَّ ما ذمَّهم على الإقرار بما لم يزل يتمدح به من نفوذ ( 3 ) مشيئته ، وكمال قدرته ، وعظيم عِزَّتِه ، وإنما ذمهم على ظنهم ما ظنت المعتزلة من لزوم بطلان حجة الله على عباده بذلك ، ومن استنتاجِ الباطل من الحق ، والكذب من الصدق . وقد تقدم في مسألة الإرادة أن نفوذ مشيئة الله من ضرورة الدين ، فكيف يكذب به لاحتجاج المشركين به ؟ ولو كان أهل الباطل كلما احتجو بحقٍّ كذَّبناه لتَيَسَّرَ لأعداء الإسلام تَعفية رسومِه بأيسرِ شُبهةٍ ، وبلغوا أقصى مرامهم فيه من غير كُلفةٍ .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه في 5 / 58 من حديث المغيرة بن شعبة وبعض روايات عبد الله بن مسعود . ( 2 ) ساقطة من ( أ ) . ( 3 ) في ( ش ) : تفرد .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 82 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )