تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وقد جمع الله تعالى مذهب أهل السنة في بعض الآيات الكريمة ، كقوله تعالى : { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 29 ) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ الإنسان : 29 - 31 ] . فقوله تعالى : { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } يقتضي تمكينهم بالنظر إلى القدرة والبيان وكمال الحجة . وقوله : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } إثباتٌ لتوقف مشيئة العباد على سبق مشيئة الله تعالى ، وهذا لا تناقض فيه ، كما أن المعتزلة توقف أفعال العباد على ما سبق في ( 1 ) علم الله ، ولا يلزم الجبر من شيءٍ من ذلك . وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } إثباتٌ لتعليل أفعال الله تعالى بالحكم والغايات الحميدة وإن لم تدرك العقول شيئاً من ذلك البتة ، كيف ، وقد بيَّن الله تعالى منه الكثير الطيب كما نذكره في مسألة الأقدار . وقوله : { يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } إشارة إلى تعيين بعض ما منَّ علينا بتعريفه من حكمته في ذلك ، فله الحمد حمداً كثيراً ، وذلك أنه إنما عامل عباده في الهداية والإضلال على حسب علمه بما يستحقونه من ذلك من غير عجز منه عزَّ وجلَّ عن هداية ضال ولا إضلال ( 2 ) مهتدٍ ، وهي كقوله سبحانه وتعالى في إبراهيم عليه السلام : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } [ الأنبياء : 51 ] ، وفي ضدِّه من أعدائه : { وأضَلَّه الله على عِلْمٍ } [ الجاثية : 23 ] ، ويجمع معناهما مثل قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [ النحل : 125 ] ، وقوله في
هامش
( 1 ) من قوله : " مشيئة الله تعالى " إلى هنا ساقط من ( أ ) ، و ( ف ) . ( 2 ) قوله : " ولا إضلال " ساقط من ( ش ) .