لتكذيبه لهم فيما قالوه من الحق ، ولذلك تمَسَّك به الجاحظ في أن المطابقة لا تكفي في الصدق إلاَّ مع اعتقاد المتكلم لصحتها ، وأما آيات المشركين فإنها مُصَرِّحةٌ بتقرير مذهب أهل السنة لنصوصه ( 1 ) عليه دون غيره .
والعجب أن المعتزلة احتجوا بها وهي بريئة من ذكر مذهبهم ، وأرادوا إبطال مذهب أهل السنة إلى غيرها ، ولو لم يرد في كتاب الله سواها ، لما احتاج أهل السنة إلى ( 2 ) غيرها في تثبيت مذهبهم ، ألا تراهُ يقولُ في هذه الآية : { فلو شاء لهداكم أجمعين } [ الأنعام : 149 ] ، وقال في الآية الأولى : { إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ } [ النحل : 37 ] وقال فيها : { فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ } [ النحل : 36 ] ولم يقل كما قالت المعتزلة : فمنهم من اهتدى ومنهم من لم يقدر الله على هدايته ، وهذا موضع الحاجة إلى بيان الحقِّ ومحو ( 3 ) تمويه المشركين ، فكيف يُقَرّرُ في نفس الجواب ما يقتضي عند المعتزلة إفحام الرسل ؟ وهل يصح مثل هذا من حكيم ؟
ولو قدرنا حسن ورود المتشابه ، فليس في مثل هذا المقام ، فهذا مقام الحجاج والبيان ، وإيراد المتشابه هنا يوهم صحة الإشكال ، والعجز عن الجواب ، ويُغري بالقبيح ويحطُّ رتبة المجيب ، فإلى متى يُؤَخَّرُ المحكم ، ويأتي بيان الحق ، ولا مخبأ بعد بؤسٍ ، ولا عطر بعد عروسٍ ( 4 ) .
هامش
( 1 ) في ( ش ) لنصوصها .
( 2 ) من قوله : " إلى غيرها " إلى هنا ساقط من ( أ ) .
( 3 ) في ( ش ) : ومحق .
( 4 ) كذا جاء المثل في ( ش ) ، وهو ساقط من ( أ ) ، ونصه في كتب الأمثال " لا مخبأ لِعِطْرٍ بعد عروس " ، ويروى : " لا عِطْر بعد عروس " .
وأصله أن رجلاً أهديت إليه امرأة ، فوجدها تَفِلَة ، فقال لها : أين الطيبُ ؟ فقالت : خَبَأته ، فقال : " لا مخبأ لعطر بعد عروس " يضرب لمن لا يؤخَّر عنه نفيس . وقال الزمخشري : يُضرب في ذم ادِّخار الشيء وقت الحاجة إليه . وقيل : عروس اسم رجل مات ، فحملت امرأتُه أواني =