وجل ، وهو لا يُخِلُّ بالواجب ، فهو عندهم بمنزلة خلق القدرة ، وما لا بد منه في التكليف لا يصلح إيراده على هذه الصفة ، كما لا يصلُحُ أن يقال : لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلاَّ أن يخلقكم الله أو يقدركم عليها ( 1 ) ، فهذا ما لا ثمرة في ذكره ، لأنه معلوم ، ومعلومٌ أنه معلوم ، ولا يصح الإخبار بمثل هذا عند أهل العربية ، ولا دخوله في كلام سائر العقلاء ، فكيف بكلام أحكم الحاكمين ؟ ! فإنه يُنَزَّلُ منزلة قول القائل : إن المعدوم أو الجماد : لا يستقيم حتى تخلق فيه القدرة .
الوجه الثاني : أن لطف الله تعالى عندهم غير موجبٍ للطاعة ، ولا مانع للمعصية ، لأنه من قبيل الدواعي ، ولا تأثير لها عندكم في الأفعال ، وكذلك مشيئته ، فدلَّ على أنها عندهم لم تُؤَثِّر أثراً في طاعة المطيع ، وإنما هما إزاحة ( 2 ) عذر لا غير . فعلى هذا كيف يصح اشتراط حصولهما في حصول أفعال المختارين الذين لا تقف أفعالهم عليها ، بل الذي نفع ( 3 ) السعداء اختيارهم ومشيئتهم ، وليس لله تعالى في عملهم إلاَّ مثل ماله في عمل الكفار من خلق القدرة والتمكين مع الامتحان بشدة الرغبة في القبيح .
فدلَّ على أنه لا بد من تأثير مشيئة الله تعالى ، وإلا لكان الاستثناء لغواً ، ولا تأثير لها عندهم في أفعال العباد الاختيارية ، فتعين على هذا الاحتمال مذهب أهل السنة .
الاحتمال الثالث : وهو اختصاصه بمن ( 4 ) لا يشاء الاستقامة - وهم الكافرون - فإما أن يُجرى على ظاهره ، فيكون المعنى : وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء الله أن تستقيموا ، فتستقيمون ، فهذا هو اختيار أهل السنة ، وهو
هامش
( 1 ) ساقطة من ( أ ) .
( 2 ) في ( ش ) : وإنما إزاحة .
( 3 ) في ( ش ) : ينفع .
( 4 ) في ( ش ) : لمن .