تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
التقدير في هذه الآية : أمرنا مترفيها بالطاعة ، ففسقوا ، وحذف المفعول اتِّكالاً على ما يقتضيه الأمر من الطاعة ، وعلى مناقضة الفسوق للأمر ، كما تقول : أمرتُه فعصاني ، فإنه يعلم أن المراد : أمرته أن يطيعني فعصاني ، وكلام المرتضى في هذا الموضع قويٌّ جداً ، كما أن كلام الزمخشري فيه ساقطٌ جدّاً ، فيقضي العجب من نسيان الزمخشري في آية المشيئة لفساد تقدير لم يقم عليه من الكلام قرينةٌ ولا دلَّ عليه دليل . وثانيها : أن الآية تقتضي ترتُّبَ مشيئة المكلفين على مشيئة الله تعالى ترتُّبَ المشروط على الشرط ، والمسبَّب على السبب ولا يستقيم ذلك على تقدير الزمخشري . أما في حق من يشاء الاستقامة ، فلأن اللطف لا يلزم من تخلفه عنده تخلُّف مشيئة الاستقامة ممن يشاؤوها ، ولا يلزم أيضاً من وجوب وجوده وجودها منهم ، ومثل هذا لا يصلح أن يرتَّب على حصوله ( 1 ) مشيئتهم . وأما في حق من لا يشاء الاستقامة ، فلأنَّ الإكراه نسبة مشيئة الاستقامة إليهم ، لأنه يسلُبُهم صفة المدح بها والوصف بالاستقامة التي أمر بها في قوله تعالى : { فَاسْتَقِمْ كما أُمِرْتَ } [ هود : 112 ] والتي مدح الله بها ورتب الجزاء عليها في قوله : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } [ فصلت : 30 ] فلا يصح نسبتها إلى المكره لا حقيقة ولا مجازاً . أما الحقيقة : فظاهر . وأما المجاز : فلعدم العلاقة الظاهرة ها هنا المقتضية لتشابه المجبور على الاستقامة والمختار لذلك ، فإن هذه الأسماء التي في الاستقامة في هذا الموضع ، والهدى والرِّفعة في غير هذا الموضع معدومةٌ عند القهر والعدم منقطعة التشبيه ، ولو جاز وصف المجبورين بذلك لجاز وصف الممسوخين قردةً وخنازير
هامش
( 1 ) في ش : حصول .