تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
فالجواب : أن المعتزلة لا تجيز تخصيص العموم فيما يفيد الاعتقاد فقط بمخصصٍ غير مقارن للعموم ، لأن ذلك عندهم يؤدي إلى اعتقاد الجهل في صحة العموم أول ما يسمع ، أو التوقف في المراد إن لم يقطع بصحة العموم ، ولا يجوز الخطاب عندهم بما لا يفهم المكلف المراد منه على التفصيل ولو قبل وقت الحاجة . فإن قيل : هذا الذي قدمتم من تأدية ذلك إلى ما لا يجوز دليل عقلي إجمالي يدلُّ على أن العموم غير مراد ، لأن إرادته تستلزم تلك المفاسد . فالجواب : أن الدليل الإجمالي لا يصح عندهم إلاَّ عند أبي الحسين ، وذلك لأنه عندهم ( 1 ) يؤدي إلى خطاب المكلفين بما لا يفهمون ، وهو عندهم قبيحٌ ، وليس الفهم الجملي عندهم كافياً ، وإلا جاز خطاب العجمي بالعربية ، لأنه يفهم أن له معنى في الجملة ، والرد عليهم في هذه المذاهب مُبَيَّنٌ في كتب أصولِ الفقه ، وإنما الغرض بيان بطلان تأويلهم في هذه الآية على قواعدهم . فإن قيل : قوله تعالى : { وما تشاؤون إلاَّ أن يشاءَ الله } [ التكوير : 29 ] على ظاهره يناقض قوله في الآية : { لِمَنْ شاءَ مِنْكُم أن يَستَقِيمَ } [ التكوير : 28 ] لأن أولها يدل على التمكين ، وآخرها يناقضه . قلت : أما أنَّ أولها يدل على التمكين ، فصحيحٌ ، وأما أن آخرها يناقضه ، فممنوع ، بل هو يدُلُّ على أن عبد السوء إذا لم يُعْطَ من الهدى ( 2 ) إلاَّ ما تقوم به الحجة ، ويصح معه الفعل والأمر والنهي والثواب والعقاب ، لم يفعل إلاَّ ما وافق هواه حتى يتفضَّل الله عليه بالهدى الزائد على القدر الذي يصح معه الفعل ، وتقوم به الحجة ، كما قال تعالى : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ } [ النور : 21 ] وفي مثله يقول سبحانه : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه مَنْ يَشاءُ } [ البقرة : 105 ] .
هامش
( 1 ) ساقطة من ( أ ) و ( ش ) . ( 2 ) " من الهدى " ساقط من ( أ ) .