تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
الأبدي ، ويقتضي أن هذا الهدى أُوتيه بعضٌ ومُنِعَهُ بعضٌ بمفهوم هذه الآية وبمنطوق كثير من الآيات كقوله : { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ } [ الأعراف : 30 ] وأمثال ذلك مما يكثر تعداده كقوله : { مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الأنعام : 39 ] ، ومنه { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير : 28 - 29 ] فإنها لو كانت بمعنى الإكراه ، لكان المعنى : وما تشاؤون الاستقامة إلاَّ أن يُكْرِهَكُم الله عليها ، وهذا نقيض مذهب المعتزلة ، بل مذهب الجميع أن الاستقامة لا تصح مع الإكراه . وإن قالوا : هذه المشيئة المنسوبة إلى الله عزَّ وجلَّ هي مشيئة الطاعة التي تلازم الأمر عندهم ، وقد شاءها الله تعالى فيما مضى ، فالجواب من وجهين : الأول : أن تلك عندهم غير مؤثرة في وقوع الاستقامة ، وهذه مرتبٌ ( 1 ) حصول الاستقامة عليها ، فافترقا . الثاني : أن تلك حاصلة من قبل الأمر المقتضي للتكليف في الاستقامة أو معه ، فلا يصح ترتيب حصول الاستقامة عليها ، كما لا يصح ترتيبه على الأمر لأنهما عند المعتزلة في اللزوم سواءٌ ، ولا يصح عندهم أن يقول الله تعالى : وما تشاؤون إلاَّ أن يأمركم الله ، ولا جاء مثل هذا في آيةٍ ولا حديثٍ . فكذلك لا يصح مثله في إرادة الطلب اللازمة للأمر ، لأن التكليف بالاستقامة مشروطٌ بحصول المشيئة المقارنة للأمر عندهم ، فأيُّ فائدة في أن يقال : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير : 28 - 29 ] وقد شاء أن ( 2 ) تستقيموا كلُّكم ، فاستقام الأقل منكم ، ولم يستقم الأكثر ، فلم تُغْنِ مشيئته عن الأكثرين شيئاً ، ولا أثَّرت في استقامة الأقلين ، وهذا يناقض مقتضى الشرط في حق الكافرين ، وهو باطل ، أو عدم تأثيره فيه في حق
هامش
( 1 ) في ( ش ) : مترتب . ( 2 ) ساقطة من ( أ ) .