تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وأما الدليل على ذلك سمعاً ، فقوله تعالى : { إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [ الشعراء : 4 ] مع قوله : { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ } [ الحجر : 14 - 15 ] . فانظر كيف نصَّ سبحانه على خضوعهم لآية واحدة ، وذلك لا يكون إلا مع مشيئته سبحانه أن يخضعوا ، ونص على عدم خضوعهم بفتح باب من السماء وعروجهم فيه ، وهي من أعظم الآيات لما لم يُرِدِ الله خضوعهم لذلك ، ولو أراد الله سبحانه أن يخضعوا لذلك أو لدونه ، لطارت أفئدتهم ، ولانت شدتهم لأقل من ذلك ، ولكن حكمة الله جارية بوقوع الأشياء بأسبابها مع قدرة الله تعالى على وقوعها من غير أسبابها ( 1 ) ، ولذلك قال في إنزال الملائكة يوم بدر : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } [ آل عمران : 126 ] . وما أعظم اغترار الجُهَّال بالأسباب ، ونسبة التأثير إليها دون ربِّ الأرباب ، فهي على الحقيقة للغافلين أعظم حجاب ، ومن أبياتٍ كنت قلتها في ذلك : حَجَبْتَ مَنْ شئت بالأسباب عنك فما . . . يراكَ إلاَّ بصيرُ القلب ذو حَالِ وأوضح من ذلك كله قوله تعالى : { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } [ النمل : 87 ] فسبحان من هو بكل شيء بصيرٌ ، وعلى كل شيءٍ قدير ، وما كفرت الفلاسفة إلا لظنهم أن الأسباب مؤثرة لما رأوا من ملازمتها المسببات ، كقولهم : إن إحياء الموتى من المحالات ، وأمثال ذلك .
هامش
( 1 ) من قوله : مع قدرة الله إلى هنا لم يرد في ( أ ) و ( ف ) .