تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
ومنه قوله تعالى : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [ السجدة : 13 ] . والدليلُ على أن الهداية في هذه الآية مما لا يصح تأويله بالإكراه أنها هداية مانعة من دخولهم النار ، بدليل قوله : { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } فلو كانت هداية إكراه ، لصحَّ أن يهديهم بها ، ثم ملأ بهم جهنم ، ولما كان لهذا ( 1 ) الاستدراك ( 2 ) معنى ، وسياق الكلام من أول الآية يؤيد هذا ويدل عليه . وذلك أن الكفار حين تحققوا صحة المعاد قالوا : { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } [ السجدة : 12 ] وهذا الكلام إنما يليق لو كان الله - تعالى عن ذلك - لم يقدر على هدايتهم فيما تقدم من حياتهم الأولى ، ولم يدعها عمداً لحكمة راجحة استأثر بعلمها ، فلذلك رد الله عليهم بما يدل على سَبْقِ قدرته على ذلك ، وإنه لو أراد ذلك لم يعجز عنه في حياتهم الأولى حتى يستدركه بعد البعث ، والله سبحانه أعلم . ويوضحه قوله : { ولو رُدُّوا لَعَادُوا } [ الأنعام : 28 ] ومن هنا قالت المعتزلة : إن الله بناهم على بنيةٍ لا تقبل اللطف ، وقد بيَّنَّا أول مسألة الإرادة أن تغيير تلك البنية مقدور لله عزَّ وجلَّ عقلاً وسمعاً ، وكفى دليلاً على ذلك قوله تعالى : { قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ( 50 ) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ } الآية [ الإسراء : 50 - 51 ] ، وقد تقدم الكلام عليها . بل هو سبحانه قادر على هدايتهم من غير تغيير بنيتهم ، وكفى في بيان ذلك قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [ الأنعام : 111 ] وقد تقدم الكلام عليها قريباً . فإن قيل : إنما أتى ( 3 ) الاستدراك مع الإكراه للتنبيه على أن الإكراه مانعٌ أن
هامش
( 1 ) في ( أ ) : هذا ، والمثبت من ( ش ) وهامش ( أ ) . ( 2 ) في ( أ ) : الاستدلال . ( 3 ) في ( ش ) زيادة : في .