تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
وقد تقدم القولُ في أن كل ما أراد الله طيَّه من الحكم والأسرار لم يتم لأحد الاطلاع عليه ، وكان الجهل به من جملة قيد الله السابق ، وأمره النافذ على رغم الخلائق ، وكان أمر الله قَدَراً مقدوراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ومن الناس من يسعى فيما لا ينفعه ، بل فيما يضره من العلوم والأعمال كما قال تعالى : { ويتعلمون ما يَضُرُّهم ولا يَنفَعُهُم } [ البقرة : 102 ] . وهذه المسألة هي التي ألجأت غلاة الأشعرية إلى القول بنفي الحكمة ، وسيأتي في الكلام على مسألة الأطفال إيضاح بطلان قولهم بالضرورتين العقلية والشرعية ، والمبالغة في إبطال قوله ، وهي التي ألجأت ابن تيمية وأسلافه وأتباعه إلى القول بفناء النار ( 1 ) والتأليف في ذلك . وأشار الغزالي إلى نُصرة قولهم في " المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى " في شرح الرحمن الرحيم ، وجوّد الاحتجاج لهم في ذلك ، وفي بعض مباحثه في ذلك نظر ليس هذا موضع ذكره . والأولى بالسني الوقوف على ما وقف الله عليه ملائكته الكرام حيث أجاب علبهم أنه يعلم ما لا يعلمون ، وترك التكلف فيما لم يؤمر به ، والتأدب بمثل قوله تعالى : { ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لكَ بِهِ عِلمٌ } [ الإسراء : 36 ] ، والحذر من الشذوذ عن الجماعة ، والنفرة من كل بدعة وشناعة ، فإن نازعته النفس ، فليتنبه على
هامش
( 1 ) وهذا مما عُدَّ في جملة اجتهاداته التي أخطأ فيها خطأ مبيناً ، وتابعه عليها تلميذه ابن القيم - رحمهما الله - وقد تولَّى الرد عليهما غير واحد من الأئمة ، منهم العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة ( 756 ه - ) في رسالته " الاعتبار ببقاء الجنة والنار " ، وعلامة اليمن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة ( 1182 ) ه‍ في كتابه " رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار " وكلاهما مطبوع ، فارجع إليهما ، فإنهما غاية في النفاسة ، وسيرد عند المؤلف التنبيه بأن الإمام الذهبي له رد على شيخ الإسلام في هذه المسألة ، ولكنني لم أقف عليه إلى الآن ، وهو - رحمه الله وإن كان يُحب ابن تيمية ويظهر محاسنه ، وينشر فضائله ، ويُشنع على خصومه ، ويدافع عنه - مخالف له في مسائل أصلية وفرعية كما صرح بذلك في ترجمته في " السير " .