تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ الحج : 8 - 10 ] . وإنما نورد هنا كلام من أقر بالتوحيد ، وسعى في التصديق بكلام الحميد المجيد . واعلم أن اضطرابهم في ذلك مبني على الغفلة عن قاعدتين عظيمتين . إحداهما : أن الله تعالى يعلم من كل نوع من أنواع المعلومات ما لا نعلمه ، ومن أعظم تلك الأنواع وأجلِّها قدراً ، وأدقِّها سراً ، وألطفها نوع المعلومات من الحكم والمصالح والغايات الحميدة ، بل متى فتح الله على بعض عباده من ذلك مثل سمِّ الخياط ، أو وهب له منه قطرةً من بحار لم يستطع أحدٌ من الخلق الاطلاع على مكنون حكمته ، ولا وسعت الطباع البشرية الصبر على التسليم لفضل معرفته ، وكفى في ذلك عبرةً بقصة الخَضِر والكليم عليهما أفضل الصلاة والتسليم ، فإنها تكُفُّ كفَّ الاعتراض على الأعلم في باب المصالح والحكم . ومن لم يُسَلِّمْ هذه القاعدة ، يلزمه مساواة الخالق والمخلوق في معرفة المصالح وجميع دقائق الحكمة ، وكيف يستوي ربُّ الأرباب والمخلوق من التراب . وما أحسن ما قاله الفخر الرازي : العلمُ للرحمن جلَّ جلاله . . . وسِواه في جَهَلاتهِ يَتَغمْغَمُ ما للتراب وللعلوم وإنما . . . يَسْعَى لِيَعْلَمَ أنَّه لا يعلمُ وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد : تجاوزتُ حدَّ الأكثرين إلى العُلى . . . وسافَرْتُ واستبقيتُهم في المفاوزِ وخُضْتُ بِحاراً ليس يُدْرَكُ قَعْرُها . . . وسيَّرْتُ نفسي في فَسيح المَفاوِزِ
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 357 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )