تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ويلحق بهذا ما خرَّج أبو داود في باب لزوم السنة ( 1 ) أن رجلاً كتب إلى عُمَرَ بن عبد العزيز يسأله عن القدر ؟ فكتب إليه أما بعد : فإني أُوصيك بتقوى الله ، والاقتصاد في أمره ، واتباع سُنَّة رسوله ، وترك ما أحدث المُحْدِثون بعد ما جرت به سُنَّتُه ، وكُفُوا مُؤْنَتَه ، ثم اعلم أنه لم تُبتدع بِدعة إلاَّ قد مضى قبلها ما هو دليلٌ عليها وعِبْرةٌ فيها ، فإن السنة إنما سنَّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحُمْقِ والتعمق ، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم ، فإنهم على ( 2 ) علم وقفوا ، وبِبَصرٍ كَفُّوا ، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى ، وبفضل ما كانوا فيه أحرى ، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه ، ولئن قلتم : إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلاَّ من اتبع غير سبيلهم ، ورَغِبَ عنهم ، فإنهم هم السابقون ، فقد تكلَّموا فيه بما يكفي ، ووصفوا منه ( 3 ) ما يشفي ( 4 ) ، وقد قصَّر قومٌ دونهم فَجَفَوا ، وطمح عنهم أقوام فغَلَوا ، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم ، كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر ، فعلى الخبير بإذن الله وقعت ، ما أعلم أحدث الناس من مُحدَثَةٍ هي أبين أثراً من الإقرار بالقدر ، لقد كان ذِكره في الجاهلية الجهلاء في كلامهم وشعرهم يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم ، ولم يزده الإسلام إلاَّ شدة ، ولقد ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غير حديث ، قد سمعه منه المسلمون ، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقيناً وتسليماً لربهم وتضعيفاً لأنفسهم أن يكون شيءٌ لم يُحِطْ به علمه ، ولم يُحصه كتابه ، ولم يمض فيه قدره ، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه ، منه اقتبسوه ، ومنه تعلموه ، ولئن قلتم : لم أنزل الله آية كذا . لقد قرؤوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم ، وقالوا بعد ذلك : كله بكتابٍ وقَدَرٍ وكتبت الشقاوة ، وما يُقَدَّرْ يَكُنْ ، وما شاء الله كان ،
هامش
( 1 ) رقم ( 4612 ) . ( 2 ) في ( أ ) و ( ف ) : عن . ( 3 ) في ( أ ) و ( ف ) : ووضعوا فيه . ( 4 ) في أبي داود هنا زيادة هي " فما دونهم من مقصر ، وما فوقهم من محسر " .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 284 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )