يخلُقَهم على غير البنية التي بناهم عليها ، مثل أن يخلقهم على بنية الملائكة ، والمعصومين والمؤمنين ، وقد صرَّح أبو الحسين ( 1 ) وأصحابه من المعتزلة على قدرة الله تعالى على هداية العصاة بهذا المعنى ، وقد قاربوا أهل السنة في هذا المعنى .
فالعجب منهم ما ألجاهم إلى تأويل آيات المشيئة بالإكراه ، وأعجب من هذا أن الظاهر إجماع المعتزلة عليه ، فإن إمكانه بَيِّنٌ ، وقدرة الله متعلقة بجميع الممكنات عند المعتزلة .
وإنما ذكرت الخلاف فيه ، لأن بعض أهل العصر من ( 2 ) المشتغلين بمذاهبهم زعم أن قواعدهم تقتضي خلاف ذلك ، وهو بعيد جداً ، ومن منعه منهم قهره الدليل البين ، ومن جوَّزه منهم حرُم عليه تأويل آيات المشيئة بالإكراه ، ووافق أهل السنة في المعنى بغير شك ، وهذا كله بناء على قول المعتزلة : إن الله بنى من لا يلتطف على بِنيةٍ لا تقبل اللطف زيادة في الابتلاء ، وكان قياس مذهبهم منع هذا ، لأنه يكون مفسدةً ، ومن أوجب اللطف كيف يحسن فعل المفسدة ، ومن منعه منهم ، فقد وافق أهل السنة بذلك أيضاً على قدرة الله على اللطف بالعُصاة ، فتأمل ذلك .
الخلاف الثاني : نفي كثير منهم لقدرة الله على هداية العصاة باللطف مع بقائهم على البِنية التي خلقهم عليها من القساوة والعتاوة والشهوة ونحو ذلك .
وهو قول أبي الحسين وأصحابه كما بيناه في الخلاف الأول وهذا دون الذي قبله ، وهو أفحش مما بعده ، ولذلك خالفهم فيه أبو الحسين كما تقدم ، وخالفهم فيه جميع قدماء أهل البيت كما مرَّ . ونص الإمام يحيى بن حمزة من متأخري
هامش
( 1 ) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري صاحب " المعتمد " في أصول الفقه .
( 2 ) " العصر من " ساقط من ( أ ) .