والمعنى : ليظهر من العبد ما علمه الله ، فيحسن مجازاته عليه ، وهو تفسير قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [ الملك : 2 ] .
فهل يمكن مجرد إمكان - ولو في غاية البعد - تجويز ذلك حتى يمكن تصديق السمع إن ورد بذلك ؟ فالمعتزلة تمنع إرادة ذلك ووقوعه تعريضاً للثواب ، ولهم هنا مُتَمسَّكٌ من السمع خاص ، وهو ( 1 ) قوله تعالى : { وما يُضِلُّ به إلا الفاسقين } [ البقرة : 26 ] وقوله : { فَلَمَّا زَاغُوا أزاغَ الله قلوبَهُم } [ الصف : 5 ] ، وقوله : { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [ الروم : 30 ] ، وقوله : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله } [ آل عمران : 54 ] ونحو ذلك .
وبنحو الحديث الصحيح المتفق على صحته من حديث أبي هريرة " وإنما أبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانها " ( 2 ) وأمثالها ، بخلاف ما تقدم فإنه ليس لهم فيه مُتَمسَّكٌ من السمع خاصٌّ ، وإنما يتمسكون فيه بالعمومات ، وبدعوى قطع العقول بالقبح .
ألا ترى أن الإزاغة من الله لو تقدمت الزيغ ، كان يجب أن يقال فيها : فلما أزاغ الله قلوبهم ، زاغوا ، وذلك نقيض القرآن ، ونقيضه باطلٌ وفاقاً ، لكن يلزمهم خصومهم المناقضة في قولهم بخلق الخلق على الفطرة مع قولهم : بأن الله تعالى بنى العصاة على بِنيةٍ لا تقبل اللطف حتى لم يبق في علم الله وقدرته لهم لطفٌ البتة ، هذه بِنيةٌ غير بِنية الأنبياء والأولياء ، فكيف يقولون : قد استووا في خلقهم على الفطرة ؟
وأما أهل السنة ، فلا يلزمهم هذا ، لأنهم لا يقولون : بُني العصاة على هذه البنية أصلاً ، بل يُقِرُّون بالآية والحديث ، ولا تمنع أصولهم منهما ، فإن قواعدهم إنما تقتضي نفوذ مراد الله ، والمنع من تعجيزه عن هداية العصاة ، فيمنعون أن
هامش
( 1 ) في ( ش ) : وهم . وهو خطأ .
( 2 ) تقدم تخريجه في 3 / 387 .