وأما نفيُ ما جهلنا من ذلك عن علم الله ، فمن المحالات في العقول ، وفرقُ بين المحارات والمحالات ، فالسمع يردُ بالمحارات ، والعقل يقبل الإيمان بها جملةً ، ويَكِلُّ عنها ويكِلُ تفصيلها إلى الله تعالى ، والمحالات ، لا يَرِدُ بها السمع ، ولا يجوزها العقل . ولعلَّ المعتزلة إنما نفوا أن يعلم الله من ذاته غير ما يعلمون طرداً لقاعدتهم الضعيفة المقدَّمة ( 1 ) ، وهي أن ما لم يعلموا عليه دليلاً وجب نفيه ، وكثيراً ما ترجع أدلَّتهُمْ لمن تأمَّلها إلى هذه القاعدة وقد مرَّ إبطالها بما لا زيادة عليه والحمد لله .
وقد نُقِلَ عن قدماء العترة عليهم السلام ما يُشبه قول علي عليه السلام وقول أهل السنة ، فذكر أبو عبد الله الحسني في كتابه " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية ، عن محمد بن منصور ، أن أحمد بن عيسى عليه السلام كان ينفي التشبيه والحدود والنهاية ، ويقول : هو عز وجل موجود في كل مكان بلا كيفية .
ونقل محمد بن منصور عن أحمد بن عيسى في كتاب أحمد أنه روى ذلك ( 2 ) عن أبيه ، وقال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم السلام : أجمع علماء ( 3 ) آل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نفي التشبيه عن الله ، وأنه ليس كمثله شيءٌ . . إلى قوله : عن ( 4 ) أن يدركه الواصفون إلاَّ بما وصف به نفسه بلا تحديدٍ ولا تشبيهٍ ولا تناهي . وقال محمد : قد وصف الله تعالى نفسه بصفات مدائح لن تزول عن الله في حال ، يدان فيها بإثبات ما أوجب الله تعالى ، ونفي ما أزال ، فقال عزّ وجلّ : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ الحشر : 22 ] إلى آخر السورة ، فعدَّ الرحمن الرحيم من مدائح الرَّبِّ التي لا تزول عنه ، ويجب إثباتها له بلا كيفيةٍ ولا تشبيهٍ .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : المتقدمة .
( 2 ) ساقطة من ( ب ) .
( 3 ) ساقطة من ( د ) و ( ش ) .
( 4 ) في ( ب ) : عز .