وكما أن هذا يُفْحِمُ من ذهب إليه من الأشعرية ، فإنه أيضاً يفحم المبتدعة من المعتزلة ، فإنهم ذهبوا إلى تلازم الإرادة والمحبة ، وإرادة الله تعالى متعلقة بالكفار وجوداً دون محبته ، مع أن محبته عند المعتزلة ترجع إلى الإرادة أيضاً ، ولكن مُتعلَّقها لا يصح إتحاده عندهم كما هو الصحيح عند الأشعرية .
فإيَّاك أيها السُّني والاغترار بكلام الجويني هذا ، فإنه خلاف الكتاب والسنة والفطرة ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين .
على أن الإمام الجويني من أقرب الأشعرية إلى المعتزلة حتى عَدُّوه من الغُلاة في أثر قدرة العبد ، فإنه جوَّز تأثيرها في إيجادِ الذوات ، وزاد في ذلك على المعتزلة كما يأتي بيانه .
وما أحسن قول معاذ في سياق أثر عنه طويل : واتقِ زيغة الحكيم ، قال الراوي : فقلت له : يرحمك الله وما زيغةُ الحكيم ( 1 ) ؟ قال : هي التي يقال ما هذه ما هذه . خرجه أبو داود في آواخر كتاب السنن ( 2 ) . ؟
فإن قلت : هلا جوزت تسمية القبيح المقدر محبوباً من الوجه الذي قُدِّرَ لأجله ، فإنه قدر لمصلحة راجحة ولم يكن تقديره عبثاً ولا سُدى ، ولا يمنع من ذلك كونه مكروهاً لوجه قبحه لاختلاف الجهتين كما ذكرته في الوقوع ، فلم منعته في الواقع ولو مجازاً مع ظهور العلاقة ، وهي تقدير الحكيم له .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : وما حسن قول زيغة الحكيم .
( 2 ) ( 4611 ) في السنة : باب لزوم السنة . وإسناده صحيح . ولفظه : . . . فإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة ، وأحذركم زيغة الحكيم ، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق . قال : قلت لمعاذ : ما يدريني - رحمك الله - أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة ، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق ؟ قال : بلى ، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها : ما هذه . .