اعتقادها ، وإنما هي من محارات الأشعرية للمعتزلة .
والغرض بذكرها وأمثالها هنا بيان الوجه في ترك تكفير الخائضين في ذلك ، وقبول الرواية من ثقاتهم ، وإنما قطعنا ببطلان كلام الجويني ، لأن الكفر هو متعلِّق الكراهة والسخط والغضب ، فلا يصح أن يكون هو متعلق الرضا والمحبة ، لأن هذه الألفاظ إما أن تكون حقيقةً أو مجازية ، إن كانت حقيقية كما هو مذهب أهل الحديث والأثر ، استحال اتحادُ متعلقها ضرورة ، وإن كانت مجازية ( 1 ) استحال اتحادُ لوازمها وعلائقها .
أما لوازمها فإن الذم والعقاب يلازم الكراهة والسخط والغضب ، والثناء والثواب يلازم المحبة والرضا كما حققه الشهرستاني أولاً ، بل كما يشهد به المنقول والمعقول ، ويستحيل تخلُّف الملزوم عن لازمه فيؤدى إلى اجتماع الذم والثناء ، والثواب والعقاب من كل وجه .
وأما علائقها فإن علماء اللسان أجمعوا أنه لا يصح المجاز إلاَّ بعلاقة ظاهرة ، فلا يصح تسمية الجبان أسداً بغير علاقة ، ولا تسمية الأبخر أسداً بالعلاقة الخفية ، لأن كل شيئين مشتركين في أمرٍ ، وفي الشيئية لا يجوز أن يُسَمَّى أحدهما باسم الآخر لمثل هذا إجماعاً .
فتسمية الطاعة المرادة مرضية محبوبة إنما صحَّ مجازاً ، لأنها اشبهت الأمورَ المرضية المحبوبة في الثناء والثواب ، وهذا الشبهُ الذي صح معه التجوز هنا لم يحصُل في المعصية ، وإن قدرنا أنها مرادة فلا تسمى مرضية محبوبة .
وأما اشتراكهُما في أن كل واحد منهما يُسمى إرادة فلا يكفي في استعارة اسم كل منهما للأخرى ، كما لا يكفي اشتراكُ العلم والإرادة في أنهما عرضان ، يوضح ذلك أن اشتراكهما في اسم الإرادة لو كان يُصحح التجوز بكل منهما عن الآخر ، لوجب أن يصح تسمية الطاعة مكروهة مسخوطة مجازاً
هامش
( 1 ) في ( ش ) : وإن كان مجازياً .