تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
وقوله سبحانه : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 102 ] . ولو كان ذلك الذي زعموه ممكناً ، لأمكن من أحدنا أن يريد من الله تعالى أن يفعل له ما يعلم أنه لا يفعله من أن يرفعه إلى السماء ، أو يُحيي له من مات من أهله ، أو يرُدَّ له أيام الشباب بعد الهرم . فذلك ممكنٌ مقدور لله تعالى ، وإنما استحالتْ إرادة ذلك من العقلاء لعلمهم أنه لا يقع ، ولأمكنت إرادة القبيح والمضارِّ التي لا داعي إليها ، كنكاح الأمهات وقتلها . ولما قَبُحَ عند الخصوم إعلام المُكَلف بأنه من أهل النار ، وقد قبَّحوا ذلك ، بل قَبَّحوا الإعلام بصغار ( 1 ) الذنوب مع بقاء الداعي إلى تركها ، وهو استحقاق الثواب عليه ، والصارِف ( 2 ) عن فعلها ، وهو فواتُ الثواب بسببه . وأما ما نجدُ من شهوةِ ما لا يكون وتمنيه ( 3 ) ، فليس من الإرادة في شيء ، وقد يُعَبِّرُ عن تلك الشهوة بالإرادة ، كقوله تعالى : { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا } [ السجدة : 20 ] وليس من قبيل الإرادة الاختيارية ، لأنهم غير قادرين على إرادة البقاء في النار ، على أن علمهم حين ( 4 ) أرادوا ذلك بعدم ( 5 ) وقوعه ممنوعٌ بدليل سؤالهم ذلك في قولهم : { ربَّنا أخْرِجْنا مِنْها } [ المؤمنون : 107 ] وقولهم : { يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك } [ الزخرف : 77 ] وذلك واضح . وذكر بعض أهل السنة أشياء في الاستدلال على أن الأمر قد يفارق الإرادة وهذا الذي ذكرته أصحُّ ، ولا يخلو ما ذكروه من نظر من ذلك الدعاء في صلاة الاستسقاء حيث لا يُسقَون ، وشفاء المرضى حيث لا يُشْفَون ، وببقاءِ الأنبياء والأولياء ، وطلب طول أعمارهم .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : بصغائر . ( 2 ) في ( ش ) : فالصارف . ( 3 ) في ( ش ) : وتمكينه . ( 4 ) في ( ش ) : حيث . ( 5 ) في ( ش ) : لعدم .