تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
تعالى : { وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم } [ هود : 81 ] . وقد يريد الله تعالى بالأمر الوجهين معاً بدليل قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه } [ البقرة : 143 ] ، وقوله تعالى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 2 ] ، وقوله تعالى : { حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } [ آل عمران : 179 ] . فهذه الآيات وأمثالُها مما يكثر إيراده شاهدةٌ على أن أمر من عَلِمَ الآمر أنه يُعصى غير ملازم لإرادة امتثاله ( 1 ) مع ما يدركُه العقل من ذلك ، وهذان النوعان واردان في الشرع وروداً كثيراً ، ولا يمنع العقل من ورودهما ، ولكنهما نادران في عاداتِ الناس ، إذْ كانت العادات جارية بأن الأمر قرينة تدل على حاجة الآمر إلى مطلوبه ، وذلك دليل على إرادتِه ما أمر ، ولما قَلَّ في العادة الأمر من غير إرادة غفل عنه المعتزلي وظنه محالاً ، وليس بمحال ، وإنما المحال ما جوَّزه المعتزلي من إرادة حصول ما جَزَم الآمر ، وعلم أنه لا يحصُلُ أبداً ، ولذلك جاء على أبلغ صيغ الإنكار في قوله عز وجل : { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } [ النساء : 88 ] . فلم ينكر هذه الإرادة لِقُبح ما تعلَّقت به وهو الهُدى ، لأنه حسن قطعاً ، وإنما أنكرها لتعلُّقها بما علم أنه لا يقع ، ولذلك خصَّ ذوي الألباب بإرادة التذكر في قوله : { هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب } [ إبراهيم : 52 ] . وأمثالها كثيرة كقوله تعالى : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون } [ النحل : 64 ] . وقوله عز وجل : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين } [ النحل : 89 ] .
هامش
( 1 ) تحرفت في ( أ ) إلى أمثاله .