تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
يضر البشر ولا ينفعهم . ويوضح ذلك قوله : { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ } [ طه : 134 ] ولم يقل : لظلمناهم . ويوضح ذلك قوله تعالى : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا } [ الإسراء : 16 ] فقد تقدمت إرادته هلاكهم المستحق بعلمِه الحق قبل بعث الرسل المعبَّر عنه بقوله : { أمَرْنا مُتْرَفيها } ، وتقدَّمت فسقهم الواقع بعد الأمر المُوَجَّه عذابهم إليه دون الموجب للإرادة السابق لها في الحكم ، سواء سبق في الزمان ، كقول المعتزلة ، أو لم يسبق فيه ، كقول الأشعرية ، فلا شكَّ في أنه سابق في الرتبة والحكم ، كسبق حركة الأصبع لحركة الخاتم . وأما ما تقدم الأمر من كفرهم ، فالعقوبة غير مُوجَهَّة إليه لقوله تعالى في أول هذه الآية : { وما كُنَّا مُعَذِّبين حتَّى نَبْعَثَ رسولاً } [ الإسراء : 15 ] فلو كان سبب الإرادة سابقاً لها على زعمِ المعتزلة ، لكانت العقوبة قد وَقَعَتْ عليه قبل بعثة الرسل . وقد ثبت أنهم غير معاقبين في تلك الحال لكمال فضل الله وعدله في الظاهر والباطن ، ويشهدُ لذلك حديث أنس المُخرَّج في " صحيح مسلم " وفيه : " ألمْ تُجِرُني يا ربِّ من الظُّلْم " كما تقدم قريباً ، فسمَّاه ظُلماً وأقر على ذلك ، وأُقيمت عليه الحجة بشهادة أركانه عليه ، وهذا شاهدٌ حسنٌ لهذا الوجه ، ولله الحمد . وأما قوله تعالى : { ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } [ الشعراء : 209 ] ، فليس فيه أن الظلم بترك الذكرى بالنصوصية ( 1 ) ، ونظيرُها قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُم
هامش
( 1 ) في ( ش ) : النصوصية .