تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
مثال ذلك ما خرجه مسلم في " الصحيح " من حديث فضيل ، عن الشعبي ، عن أنس ، قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك ، فقال : " هل تدرون مما أضحك " ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : " من مخاطبة العبد ربه ، يقول : يا ربِّ ألم تُجرني من الظلم ؟ يقول : بلى ، فيقولُ : إني لا أُجيزُ اليوم على نفسي شاهداً إلاَّ مني ، فيقول : كفي بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالملائكة الكرام عليك شهوداً ، فيُختم على فيه ، ويُقالُ لأركانه : انطقى ، فتنطق بأعماله ، ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام ، فيقول : بُعداً لَكنَّ وسُحقاً فعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ " ( 1 ) . فهذا عذرٌ حَقُّ من الله عزَّ وجلَّ يقابل العذر الباطل من العبد ، وإلا فعلم العبد الضروري بأنه كاذبٌ أقوى حجة في باطن الأمر ، وعلم الرب عز وجل أقوى من علم العبد الضروري . وهذا الحديث وإن كان حديثاً واحداً ، فالقرآن يشهد له حيث قال حاكياً عنهم : { لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء } [ فصلت : 21 ] مع أن الحديث الظني في هذا المقام من أرفع ما يحتج به ، لأن القصد في هذا المقام بيان مجرد احتمال الحكمة ، وقطع قول من أحالها فيه ، أو عيَّنها في وجهٍ باطل . وقد وَرَدَ من الحديث الصحيح نحو هذا ، وصُرِّح فيه بلفظ العذر عن أبي هريرة في بعض رواياته في حديث الرؤية ، قال : " فيلقى العبد فيقول : أيْ فُلْ : ألم أُكرمك وأسوِّدْك ؟ فيقول : بلى ، فيقول : أظننتَ أنك مُلاقيَّ ؟ فيقول : لا ، فيقول : إني أنساك كما نسيتني . . . إلى قوله في المنافق : " فيقول : يا رب آمنت بك وبكتابك وبرُسُلِك ، وصُمْتُ ، وتَصَدَّقتُ ، ويُثني بخيرٍ ما استطاع ، فيقول : ها هنا إذاً ، قال : فيقال : الآن نبعثُ شاهداً عليك ، ويتفكر في نفسه من الذي يشهدُ عليَّ ، فيُختَمُ على فيه ، ويقال لفخذه : انطقي ، فتنطق فخذُه ولحمه
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 2969 ) ، وأبو يعلى ( 3975 ) و ( 3977 ) ، وابن حبان ( 7358 ) ، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص 217 - 218 .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 354 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )